لندن- “القدس العربي”: قال المعلق في صحيفة “واشنطن بوست” ديفيد إغناطيوس إن اختيار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبيل بولتي قائما بأعمال مدير وكالة الاستخبارات الوطنية، خلفا لتولسي غابارد، لم يقم على اعتبارات الخبرة التي يتمتع بها في هذا المجال، بل لأنه سيقوم بالمهمة التي يريد الرئيس منه تنفيذها، وهي الانتقام من أعداء ترامب.
وقال إغناطيوس إن أفضل ما يمكن وصف قرار الرئيس به هو أنه عيّن يوم الثلاثاء “مديرا بالوكالة للانتقام السياسي”.
وستكون مهمة المدير الجديد الإشراف على وكالات الاستخبارات الـ18 في الولايات المتحدة.
وما يفتقده بولتي هو الخبرة الاستخباراتية، مع أن سجله حافل بالولاء السياسي للرئيس ترامب.
ويضيف إغناطيوس أنه حتى بمعايير إدارة ترامب، كان تعيين بيل بولتي، رئيس الوكالة الفدرالية لتمويل الإسكان، قائما بأعمال مدير الاستخبارات الوطنية بمثابة صدمة.
ويعرف عنه توجيهه اتهامات بالاحتيال العقاري ضد بعض خصوم ترامب السياسيين، وتظل سيرته الذاتية في مجال الأمن القومي متواضعة حتى بالمقارنة بسلفه تولسي غابارد، التي تعرضت لانتقادات لاذعة.
وقد صدم مسؤولو الاستخبارات الأمريكيون والأجانب بهذا الإعلان المفاجئ.
وتراوحت ردود الفعل بين “خيبة أمل عميقة وغضب عارم”، كما نقل الكاتب عن أحد المطلعين.
وما طمأن بعض المسؤولين هو توقعهم أن يكون بولتي شخصية رمزية لتنفيذ مهام ترامب الخاصة، لكنه لن يتولى مهام رئيس المخابرات اليومية.
ومن المرجح أن تنتقل، خلال فترة تولي بولتي منصب مدير المخابرات الوطنية، صلاحيات أوسع إلى مدير وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) جون راتكليف، الذي يحظى بتقييمات إيجابية من الشركاء الأجانب ولجان الرقابة في الكونغرس.
وتساءل الكاتب عن سبب اختيار ترامب بولتي بعد أن ألمح بأنه سيختار آرون لوكاس، نائب غابارد الرئيسي وضابط العمليات السابق في “سي آي إيه”، والذي يحظى باحترام كبير.
ويجيب أن أحد الأسباب ربما كانت رغبته في وجود مساعد مخلص وموثوق به في منصب مدير المخابرات الوطنية لمواصلة ملاحقة التدخل الأجنبي في الانتخابات الأمريكية، وهو ادعاء قد يتخذ ذريعة لمحاولة فرض سيطرة فدرالية على الانتخابات، في ظل مواجهة الحزب الجمهوري لخسائر فادحة محتملة في انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر.
وأضاف إغناطيوس أن قصة بولتي تتشابه مع قصة ترامب نفسه، فهو ابن قطب عقاري، جنى ملايين الدولارات من الاستثمار الخاص.
ومثل العديد من المقربين من ترامب، هو من سكان فلوريدا، ويتردد باستمرار على منتجع مار-إي-لاغو.
ويتمتع بمهارات ترامبية في الترويج لنفسه.
وذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أنه سعى شخصيا لشغل منصب مدير مكتب الاستخبارات الوطنية قبل أن يختاره ترامب في نهاية الأسبوع الماضي، الأمر الذي فاجأ حتى الإدارة العليا للمكتب، حسبما علم الكاتب.
كما كان بولتي من بين أكثر حلفاء ترامب حماسة في سعيه للانتقام مما يعتبره الرئيس أخطاء سابقة.
ففي العام الماضي، استغل منصبه كرئيس لوكالة تمويل الإسكان الفدرالية، وكذلك كرئيس مجلس إدارة مؤسستي الإقراض الفدراليتين فاني ماي وفريدي ماك، لتقديم بلاغات جنائية إلى وزارة العدل، متهما أربعة من أبرز منتقدي ترامب بالاحتيال في مجال الرهن العقاري.
وكانت ليتيسيا جيمس الهدف الأول.
فبصفتها المدعية العامة لولاية نيويورك، ربحت حكما قضائيا بقيمة 355 مليون دولار ضد ترامب وشركته بتهمة الاحتيال.
وتم إلغاء العقوبة لاحقا لكونها مفرطة، لكن الحكم لا يزال قائما.
وفي نيسان/أبريل 2025، أحال بولتي قضية جنائية تزعم أن جيمس ادعت زورا أن ولاية فرجينيا هي محل إقامتها الرئيسي.
ووجهت وزارة العدل في عهد ترامب لائحة اتهام إليها، لكن قاضيا رفض القضية.
كما باءت محاولة أخرى للحصول على لائحة اتهام بالفشل.
وبعد ذلك، جاء دور خصم ترامب اللدود، السناتور الديمقراطي عن كاليفورنيا آدم شيف.
ففي أيار/مايو 2025، أحال بولتي قضيته بتهمة ادعائه زورا أن ولاية ميريلاند هي محل إقامته الرئيسي.
واحتج محامي شيف، بريت بهارارا، في رسالة إلى وزارة العدل قائلا: “نشعر بالانزعاج من الإجراءات غير النظامية والمتحيزة التي أدت إلى هذه الاتهامات التي لا أساس لها من الصحة”.
ولم يتابع المدعي العام الأمريكي في ميريلاند القضية.
بعد ذلك، جاء التحرك ضد ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفدرالي، التي زعم في آب/أغسطس 2025 أنها ادعت أن منزلين هما محل إقامتها الرئيسي.
ودعاها ترامب إلى الاستقالة ثم حاول فصلها.
ورفعت كوك دعوى قضائية لحماية وظيفتها، ووصلت القضية إلى المحكمة العليا، ولم يصدر القضاة قرارا نهائيا بعد.
وجاءت دعوى كوك القضائية في وقت كان ترامب يحاول فيه الضغط على رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي جيروم باول لخفض أسعار الفائدة، الأمر الذي تصاعد لاحقا إلى تحقيق جنائي مع باول.
وأمسك بولتي بالقضية، حيث نشر على منصة “إكس” منشورا زعم فيه بأن تجديد باول لمبنى الاحتياطي الفدرالي “مليئة بالاحتيال”.
وقال ترامب إنه قد يقيل باول بسبب هذه القضية، ثم ضغط على وزارة العدل لمقاضاته.
وأسقطت وزارة العدل التحقيق أخيرا الشهر الماضي، واستقال باول بعد انتهاء ولايته الشهر الماضي.
وكانت حملة بولتي الأخيرة لمكافحة الاحتيال ضد النائب آنذاك إريك سوالويل، الذي زعم في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 أنه ادعى زورا أن واشنطن العاصمة هي محل إقامته الرئيسي.
ورفع سوالويل دعوى قضائية ضد بولتي، مدعيا أن “بولتي أساء استخدام منصبه من خلال البحث في قواعد بيانات فاني ماي وفريدي ماك عن سجلات الرهن العقاري الخاصة بالعديد من الديمقراطيين البارزين”، و”استخدم تلك السجلات لتلفيق ادعاءات وهمية بالاحتيال في الرهن العقاري”.
وأسقط سوالويل القضية في النهاية، ولم تتم مقاضاته في قضية الرهن العقاري.
وقد استقال من الكونغرس وتخلى عن ترشحه لمنصب حاكم ولاية كاليفورنيا بعد اتهامات بالتحرش الجنسي من قبل عدة نساء.
والآن، باختياره بولتي قائما بأعمال مدير الاستخبارات الوطنية، منح ترامب أحد أكثر مساعديه ولاء الإشراف على أسرار الحكومة الأكثر حساسية.
وهو ما يقلق المسؤولين في مقر مكتب مدير الاستخبارات الوطنية في ليبرتي كروسينغ، بالقرب من تايسونز، فيرجينيا.
فقد كان مكتب مدير الاستخبارات الوطنية يعاني بالفعل من مشاكل بسبب قلة خبرة غابارد وإدارتها العشوائية.
وسيتفاقم الارتباك الاستخباراتي، حيث يقال إن كبار المحللين يترددون في الانضمام إلى مجلس الاستخبارات الوطنية التابع لمكتب مدير الاستخبارات الوطنية خوفا من الضغوط السياسية التي تدفعهم إلى تحريف الأحكام.
وقد أوقفت “سي آي إيه” المساهمة في بعض تقييمات مكتب مدير الاستخبارات الوطنية بسبب هذا الخلاف، وفقا لتقرير نشرته “رويترز” هذا الأسبوع.
وانتقد الحزبان ترشيح بولتي هذا الأسبوع، ويبدو أنه من غير المرجح حصوله على أصوات كافية من الجمهوريين في مجلس الشيوخ لتثبيته مديرا للاستخبارات الوطنية بشكل دائم.
لكن فترة ولايته كمدير بالإنابة يمكن أن تمتد حتى كانون الثاني/يناير بموجب قانون إصلاح الشواغر الفدرالية.
وهذا وقت كاف لإلحاق المزيد من الضرر بمعنويات وكالة منهكة، يرى عدد متزايد من النقاد أنها متهالكة لدرجة يصعب معها إصلاحها.
وقال إغناطيوس إن استخفاف ترامب بأجهزة الاستخبارات بات مكلفا.
ففي ظل معاناة الدبلوماسية الأمريكية وعجزها عن حل النزاعات في أوكرانيا وغزة وإيران، فهذه لحظة يحتاج فيها البيت الأبيض إلى أفضل مشورة ممكنة من مختصين مستعدين لقول الحقيقة للرئيس.
وبدلا من ذلك، نشهد تفكيكا لنظام الأمن القومي الأمريكي، وصفه مدير وكالة المخابرات المركزية السابق، ويليام بيرنز، بأنه “انتحار من قبل القوى العظمى”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك