رغم النجاحات الكبيرة التي تحققها بعض الأفلام في دور العرض السينمائي، فإن الجدل الحقيقي حولها يبدو أنه بات مؤجلًا إلى ما بعد عرضها على المنصات الرقمية.
ففي السنوات الأخيرة، شهدت أفلام عديدة موجات جديدة من النقاش والنقد بعد عرضها منزليًا، بعضها فاق في حجمه وتأثير ردود الأفعال التي صاحبت عرضها في السينمات.
وكان أحدث الأمثلة فيلم" برشامة"، الذي تصدر النقاشات عبر مواقع التواصل الاجتماعي فور طرحه على المنصات، بعدما أعاد قطاع واسع من الجمهور تقييمه ومناقشة تفاصيله.
وقبل ذلك حدث الأمر نفسه مع أفلام مثل" سيكو سيكو" و" السادة الأفاضل" و" السلم والثعبان 2"، التي شهدت حالة من الجدل الواسع بعد انتقالها من شاشة السينما إلى شاشة المنزل.
جمهور المنصات أكبر من جمهور السينماتكشف هذه الظاهرة عن حقيقة مهمة تتعلق بحجم الجمهور.
فعدد من يشاهدون الفيلم داخل منازلهم عبر المنصات أو القنوات التلفزيونية يفوق عادة عدد مشاهديه في دور العرض بفارق كبير، وهو ما يجعل مرحلة العرض الرقمي أكثر تأثيرًا في تشكيل الصورة النهائية للفيلم.
في الماضي كان نجاح الفيلم أو فشله يقاس بدرجة كبيرة من خلال إيراداته وردود الأفعال النقدية أثناء عرضه السينمائي.
أما اليوم، فأصبح الحكم النهائي مؤجلًا حتى يصل العمل إلى المنصات، حيث تتسع دائرة المشاهدة بشكل غير مسبوق وتظهر آراء جمهور جديد لم تتح له فرصة مشاهدة الفيلم في السينما.
اللافت أن كثيرًا من الانتقادات التي تثار بعد العرض الرقمي لا تتعلق بالجوانب الفنية فقط، بل تركز على طبيعة المحتوى نفسه، خاصة ما يتعلق بالإيحاءات أو الألفاظ أو المشاهد التي يعتبرها بعض المشاهدين غير مناسبة للمشاهدة العائلية.
هذه الانتقادات قد لا تظهر بنفس القوة خلال فترة العرض السينمائي، لأن جمهور السينما يذهب لمشاهدة الفيلم بإرادته الكاملة ويعرف غالبًا طبيعة العمل الذي يختاره.
لكن عند وصول الفيلم إلى المنزل يصبح جزءًا من مساحة المشاهدة الأسرية، فتختلف المعايير وتتغير طبيعة التلقي.
هل يجب أن تخضع أفلام المنصات للمعايير العائلية؟هنا يبرز سؤال مهم: هل يعني عرض الفيلم على منصة أو شاشة تلفزيونية أنه يجب أن يكون مناسبًا للمشاهدة العائلية؟يرى كثير من صناع السينما أن الفيلم يصنع في الأساس لجمهور بالغ قادر على اختيار ما يشاهده، وأن التصنيف العمري هو الأداة المناسبة لتحديد الفئة المستهدفة.
بينما يرى آخرون أن وصول العمل إلى غرفة المعيشة يجعله عرضة لتوقعات مختلفة من الجمهور، خاصة في المجتمعات التي اعتادت مشاهدة المحتوى بشكل جماعي داخل الأسرة.
وبين الرأيين، تبدو المنصات وكأنها فرضت واقعًا جديدًا لم يعد فيه الفيلم مجرد تجربة فردية داخل قاعة مظلمة، بل مادة يومية للنقاش العائلي والاجتماعي.
المنصات.
المكسب الحقيقي للأفلاماقتصاديًا، أصبحت المنصات تمثل مصدرًا رئيسيًا من مصادر دخل الأفلام، بل إن بعض المنتجين باتوا يعتبرونها المرحلة الأكثر أهمية بعد العرض السينمائي.
هذا التحول يفسر تسارع انتقال الأفلام إلى المنصات خلال شهرين أو ثلاثة أشهر فقط من طرحها في دور العرض، بعدما كانت الفجوة الزمنية تمتد أحيانًا إلى عام كامل أو أكثر.
ومع اتساع المنافسة بين المنصات على المحتوى الحصري، أصبحت حقوق العرض الرقمي تشكل عنصرًا أساسيًا في المعادلة الاقتصادية للأفلام، ما يمنح الأعمال عمرًا جديدًا وفرصة إضافية لتحقيق الأرباح والانتشار.
ومن الظواهر اللافتة أيضًا دخول بعض صناع المحتوى على خط الجدل بعد عرض الفيلم على المنصات، رغم أنهم كانوا قد شاهدوه سابقًا خلال عرضه السينمائي دون أن يبدوا آراء واضحة بشأنه.
لكن مع تصاعد موجات النقد أو السخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، يتحول الفيلم إلى مادة خصبة لصناعة المحتوى والتفاعل مع التريند، فتزداد مساحة الجدل حوله، سواء كان النقد إيجابيًا أو سلبيًا.
وفي كثير من الأحيان، يمنح هذا الجدل الفيلم انتشارًا أكبر مما حققه أثناء عرضه السينمائي، لتتحول الانتقادات نفسها إلى وسيلة دعاية غير مباشرة تزيد من حجم المشاهدة والاهتمام.
لم تعد رحلة الفيلم تنتهي عند مغادرته دور العرض، بل ربما تبدأ مرحلته الأكثر تأثيرًا بعد ذلك.
فالمنصات الرقمية غيرت قواعد اللعبة، وجعلت الجمهور الأوسع هو من يكتب الفصل الأخير في قصة أي فيلم.
وبين الإيرادات السينمائية، وحقوق العرض الرقمي، والجدل المتجدد على مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت الأفلام تعيش عمرين مختلفين: عمرًا في السينما، وآخر على المنصات.
وفي أحيان كثيرة يكون العمر الثاني هو الأكثر تأثيرًا وربحًا وضجيجًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك