بالأمس، على عتبة المغيب وخلف التجاعيد، بحثت عيون الدهشة عن الملامح القديمة وحكمة العمر وألف سؤال.
كان الربيع يسدل ستاره ونسيم المساء يصر أن يشاكس الشمس ويزاحم الكلمة.
وعن كثب، كان السرو يقف شامخاً يرقب الأفق والأفكار، يرصد قسمات مستبشرة غمرتها هيبة اللهفة واللحظة والجلال.
بالأمس، وقف الزمن احتراماً لأساتذة كرام بعدما طاف بهم بساتين المعرفة وحِلم الأيام، ووجوه توالت عبر السنين، آلاف وعشراتها من الطلبة، من الأحلام الجريئة والطموح وبذار الحياة.
ساعة ونيف من لقاء دافيء وجمع حميم اختصرت السياق والمسافة، وتجاوزت الأسئلة والنهاية، عادت إلى البدايات، إلى مقاعد الذاكرة ورائحة الطباشير، إلى ظل قامة وقورة شرحت ذات يوم معنى الكرامة، فسرت سر الشرف في قصيد أو عظمة الكون في معادلة أو آية، عادت إلى ذاك الأثر الذي يسكن جدار النفس بعدما تهوي كل النقوش، رجعت إلى الأيادي البيضاء، إلى البدء حيث كانت الكلمة والرسالة.
بالأمس، كان الأساتذة قناديل درية، أيقظت العقول وهذبت القلوب ومنحت الأرواح جناحين من نور.
أساتذة كرام بنوا الإنسان وحرسوا الحرف والخلق وصنعوا الأجيال، في حضرتهم تكبر الأمة وعلى أيديهم تتحول المعرفة إلى عزة وشموخ ومكانة.
بالأمس كان التلاميذ أنفسهم شيوخاً متقاعدة، سار بهم الزمن خطاً باستقامة حتى أصبح دائرة أعاد بها الوجوه إلى أماكنها الأولى، إلى البدايات أيضاً حين أيقظ في القلب أصواتاً كادت تخفت في ضجة الأيام.
شيوخ جاءؤا عبر المدى من بعيد على بساط الشوق يحملون في وجوههم ملامح الأمس، أتوا من قريب كأن الذاكرة نادتهم من آخر العمر وفي عيونهم بريق الصبا، وفي قلوبهم وفاء لم تطفئه خمسون.
كان اللقاء موعد مع الزمن؛ مع مقاعد الدراسة، وصوت الجرس، لقاء مع هيبة الأستاذ حين فتح لهم باب المعرفة وزرع فيهم أولى بذور الحلم، وفدوا جميعاً لأن القلوب بقيت قريبة على تباعد الدروب والسنين، ظلت قريبة من العرفان والمدرسة، من رائحة الأسماء التي سكنت الوجدان، قريبة من وجوه الزملاء التي غيرها الدهر وبقيت محبتها.
بالأمس صمت الزمن، عاد صوت الأساتذة بعد نصف قرن وردةً من وفاءٍ، آب رجال يكاد يغلبهم العمر أبناءً إلى آباء الضمير حينما سكنوا الروح، إلى ذاكرة تنقذ الإنسان من قسوة النسيان.
بالأمس تجلّى السؤال عن رحلة العمر والمعنى، بين دهشة الأساتذة ووفاء اللقاء، عن زرع القلوب حين لا يموت، وعن إرث الإنسان والأثر الطيب الذي يتركه في أرواح الآخرين، وعن طلبة بالأمس كبروا عندما عادوا شاكرين للذين جعلوا للعمر قيمة ولذة، صنعوا للحياة معنى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك