كنت قد تشرفت بلقاء آية الله الشيخ الجليل محمد إسحاق الفياض، الذي شيع جثمانه الطاهر عشرات الآلاف من العراقيين اليوم الجمعة 5 حزيران 2026، في مدينة الكاظمية ببغداد إلى مثواه الأخير، ثلاث مرات.
المرة الأولى كانت في النجف الأشرف بصحبة صديقي وأخي السيد عبد المجيد الخوئي، رحمه الله، عندما دخلنا العراق في بداية شهر نيسان 2003، حيث كان نظام صدام ما يزال في السلطة.
قال لي الخوئي: " سأعرفك على شخصية لن تنساها"، وذهبنا إلى بيت متواضع من بيوتات مدينة النجف وبلا موعد لنلتقي بعالم كبير، استقبلنا وكأنه كان يتوقع وصولنا.
كان متواضعاً جداً، مبتسماً، وأبدع في إبداء مشاعر وعبارات الترحيب.
كان يكن حباً عظيماً للسيد عبد المجيد الخوئي كونه ابن أحد أكبر مراجع الدين التي حفل بها تاريخ العراق والشيعة، وأيضاً كان قد تتلمذ على يد السيد أبو القاسم الخوئي الذي جلس على منبر الدرس في حوزة النجف لما يقرب من 80 عاماً ودون على قبره في المسجد الخضراء داخل الحضرة الحيدرية عبارة" أستاذ الأساتذة".
كنت أرصد هذا المحيا الطيب وعلائم الحكمة والعلم والمعرفة تشرق بوجه الشيخ الفياض العامر بالنور المبارك، خاصة وأنني ألتقي للمرة الأولى بآية الله.
كان يجلس على فرشة بسيطة فوق الأرض وإلى يمينه السيد الخوئي ثم أنا، وإلى يساره كانت هناك طاولة صغيرة تزدحم بالأوراق والأقلام والكتب، أحدها كان ما يزال مفتوحاً، ربما كان يطالعه قبيل دخولنا عليه، وتحيط به مكتبة عامرة بالمصادر والمخطوطات.
سألني بضعة أسئلة، وقال له السيد الخوئي عني بأنني أول صحفي على الإطلاق يدخل العراق قبل تغيير نظام صدام حسين.
كان الخوئي يسأله وهو يجيب بهدوء، تحدث عن معرفة عميقة بوضع العراق والعراقيين، محذراً من دمج الدين والمذهب بالسياسة، وأن يُترك الحكم للسياسيين على أن يكونوا نزيهين وعادلين بغض النظر عن المذهب.
وأبدى خشيته على الدين والمذهب من مكر السياسة وأوصى السيد الخوئي بأن لا يتورط بالسياسة، فرد عليه الخوئي: " شيخي.
السياسة تحتاج ألاعيب وأكاذيب وأنا رجل دين أبعد ما أكون عن ذلك ولا أريد أن ألطخ سمعة والدي وعائلتي بالسياسة".
قبيل الإعلان عن سقوط نظام صدام حسين، وبالضبط مساء يوم الثامن من نيسان 2003، ذهبنا ثانية إلى بيت آية الله الشيخ الفياض.
قال لي السيد الخوئي: " اعذرني سأدخل لوحدي على الشيخ الفياض عندنا كلام خاص، وستلتحق بنا لاحقاً".
انتظرت في غرفة صغيرة مخصصة للضيوف حيث قدم لي الشاي، قبل أن يأذن لي بالدخول.
كان الحديث عما كان يتوقعه من أحداث في العراق، لم يتحدث في السياسة بل عن أحوال الناس وما يحتاجونه سواء في مدينة النجف الأشرف وبقية مناطق العراق.
لم أسمع منه أية مفردة أو فكرة طائفية، حاشاه، على الإطلاق بل كان يتحدث عن عموم العراقيين بكل أديانهم ومذاهبهم وطوائفهم.
قال له السيد الخوئي: " عندي اقتراح بأن تكون النجف عاصمة دينية لكل مسلمي العراق، وأدعوا علماء الإخوة السنة بأن يفتحوا هنا مساجد ومعاهد دينية وثقافية".
باركه الشيخ الفياض وقال: " هذا مهم جداً فكلنا مسلمون وتوحدنا شهادة أن لا إله إلا الله ومحمد رسول الله وعلياً ولي الله، ولا خلاف سوى في الأذان أو طريقة الصلاة ما دمنا نتوجه لله عز وجل بصلاتنا".
وهذا ما كان من السيد عبد المجيد الخوئي الذي أعلن في صباح اليوم التالي، في حضرة مرقد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بأن تكون النجف عاصمة العراق الدينية ولكل المسلمين بمختلف مذاهبهم.
المرة الثالثة والأخيرة التي تشرفت فيها بلقاء آية الله الشيخ محمد إسحاق الفياض، كانت عام 2011، في العاصمة البريطانية، عندما استضافته مؤسسة الإمام الخوئي في لندن حيث وصلها لأغراض العلاج، أعتقد لإجراء عملية جراحية لعينيه.
كنت أجلس في مؤخرة الموجودين وعندما دخل وصافحنا، احتضنني ومسكني من يدي وأجلسني إلى يمينه، وكانت هذه بادرة تنم عن التقدير والاحترام، وقال عني بصوت مسموع: " هذا الشخص أكثر إنسان عرفته وفاءً للسيد عبد المجيد الخوئي"، ذاكراً كتابي" ظهيرة ساخنة جداً" وقال: " قرأت كتابك من الغلاف إلى الغلاف".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك