يني شفق العربية - فيدان: أوضاع مسلمي الروهينغا في مخيمات كوكس بازار مأساوية وكالة الأناضول - أردوغان: نعمل من أجل تركيا أكثر خضرة ونقاء العربي الجديد - أميركا ستضيف 40 مليون برميل إلى احتياطي النفط بعد انتهاء الحرب قناة التليفزيون العربي - ما هدف الولايات المتحدة من محاولة إدانة إيران قبل اجتماع مجلس الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟ التلفزيون العربي - ميتلايف.. أين سيُرفع كأس العالم؟ قناة الجزيرة مباشر - Are your clothes and phone linked to forced labor? روسيا اليوم - صحيفة إسرائيلية تكشف عن أسماء قد تكون عطلت عملية ضخمة للموساد وأمريكا لإسقاط النظام في إيران وكالة الأناضول - لبنان.. 20 قتيلا في عشرات الهجمات الإسرائيلية الجمعة DW عربية - اثنان لم يستسلما للموت.. وفاة 49 شخصا عطشا في الصحراء الكبري وكالة سبوتنيك - أستاذ علوم سياسية لـ"سبوتنيك": رسائل بوتين تعلن انتصار روسيا اقتصاديا وتحطم أوهام الناتو
عامة

يوميات رجل مطارد "في مدينة الذباب"

Independent عربية
Independent عربية منذ 5 ساعات
2

في الساعات الأولى من صباح الأول من يناير (كانون الثاني)، يوقظ طنين ذبابة شاردة رجلاً نائماً في غرفته. يقوم من سريره، كي يبحث عن مبيد حشري فإذا صلاحيته منتهية، يقرر فتح النافذة حتى يتسرب ضوء الصباح فتن...

ملخص مرصد
تصور الرواية حياة رجل يعمل في جهاز أمني غامض، يعيش في مدينة تغزوها القمامة والذباب. يوثق يومياته صراعه النفسي بين المراقبة والتحليل، بينما تتحول الذبابة إلى رمز للخوف الوجودي. الرواية تتناول انحلال المدينة والمؤسسة من خلال تقنية اليوميات المؤرخة.
  • رجل يعمل في جهاز أمني غامض يدون يومياته في مدينة تغزوها القمامة والذباب
  • الذبابة ترمز للخوف الوجودي وللرقابة المؤسسية في الرواية
  • السارد يعيش صراعاً بين الواقع والاختلاق بعد تحوله إلى مريض نفسي
من: رجل موظف في جهاز أمني غامض (السارد) أين: مدينة غير محددة (غالباً في دولة عربية)

في الساعات الأولى من صباح الأول من يناير (كانون الثاني)، يوقظ طنين ذبابة شاردة رجلاً نائماً في غرفته.

يقوم من سريره، كي يبحث عن مبيد حشري فإذا صلاحيته منتهية، يقرر فتح النافذة حتى يتسرب ضوء الصباح فتنجذب الذبابة نحوه وتطير إلى الخارج.

لكن نجوى زوجته تصرخ فيه من تحت غطائها: " مش كفاية ماسهرناش إمبارح ولا احتفلنا برأس السنة، كمان مصحينا من الفجر علشان الدبان".

هذا المشهد الافتتاحي هو التعريف الدقيق لما ستكون عليه الرواية: حياة رجل يعيش في شقة يغزوها الذباب، في مدينة تغزوها القمامة، وفي مؤسسة تغزوها المراقبة.

منذ الصفحات الأولى في الرواية يربط السارد بين انتشار الذباب وتراكم القمامة في المدينة، لتصبح المدينة نفسها فضاء للاختناق والانحلال.

يعتمد الكاتب تقنية اليوميات المؤرخة، وهي تقنية تمنح السرد طابعاً توثيقياً وتخلق وهم الواقعية، لكنها في الوقت نفسه تسمح بتتبع التحولات النفسية والفكرية للشخصية الرئيسة، فالسارد لا يروي أحداثاً فحسب، بل يسجل تطور وعيه تجاه ما يجري حوله.

البطل السارد بضمير المتكلم هو موظف في جهاز أمني غامض، يدون يومياته عبر فصول مؤرخة بأسماء الأشهر من دون ذكر السنة.

هذا الغموض الزمني المقصود يجعل الرواية معلقة في حاضر عام لا زمن بعينه، وهو اختيار دلالي يوسع مدى القراءة، ويجعل الحكاية قابلة للتكرار.

الشخصية الساردة تظهر منذ البداية بوصفها شخصية قلقة، مأزومة، تميل إلى المراقبة والتحليل أكثر من الفعل.

ويعزز الكاتب هذا البعد النفسي من خلال المونولوغ الداخلي الطويل، إذ تتداخل الملاحظات اليومية مع التأملات الذاتية والهواجس الشخصية.

لا يعطى البطل اسماً صريحاً، هو يعمل في جهاز لا يعرف أحد اسمه الحقيقي، اعتادت المؤسسة أن تسمى" الهؤلاء" بسبب غموضها وهيبتها.

يصف السارد عمله بأنه قائم على" البحث والملاحظة والتبليغ"، يقول: " قد تتساءل عن طبيعة عملي بالضبط، اسم الهيئة التي أنتمي إليها ومهمتها، غالب المواطنين لا يعرفون شيئاً عن مؤسستنا التي ولدت في العتمة بعيداً من الأجهزة المعروفة والتقليدية، أسست بصورة مستقلة وأكثر سرية من نظيراتها، لتقوم بالمهمات الأخطر والأكثر إنجازاً من دون أي تورط قانوني".

هذه الوضعية الأخلاقية الملتبسة هي الأكثر إثارة في الرواية، فالسارد ليس ضحية خالصة ولا جلاداً صريحاً، بل هو في المنطقة الرمادية، يعرف، ويصمت، ويتكيف، ويبرر لنفسه، يشعر بالذنب على مصير بعض الأبرياء، لكنه لا يتدخل، ويقول لنفسه إنهم أغبياء، هذا التبرير الداخلي المتكرر هو الصوت المتكرر للضمير المهزوم.

يبني الكاتب استعارته المركزية بصبر وإتقان، عبر ثلاث طبقات متراكمة لا تنفصل.

الطبقة الأولى حرفية تماماً: الذباب آفة حقيقية تغزو الشقة وتعكر النوم وتهدد الصحة، وهي مرتبطة سببياً بأكوام القمامة التي باتت تغزو المدينة، حتى تحولت إلى أكوام هرمية فوق مستوى السطح، تضم كل أنواع القاذورات وبقايا الطعام.

الذباب هنا ليس استعارة، بل نتيجة منطقية لانهيار المدينة.

الطبقة الثانية واقعية، حين تتكلف المؤسسة بمهمة" محاربة الذباب"، وينضم السارد إلى لجنة تتابع الأمر وتكتب التقارير، يصبح الذباب مرادفاً لكل ما تعتبره السلطة تهديداً: الغوغاء الذين يتجمعون في الشوارع، والأفكار المتمردة التي تنتشر.

والمفارقة الجوهرية أن آليات" محاربة الذباب" في الرواية، الحصار والإخلاء والإسكات، هي الآليات ذاتها التي تستخدم لمحاربة البشر، وهذا ما يقوله البطل بوضوح.

الطبقة الثالثة وجودية، صراع المركز والهامش، في الكوابيس تتضخم الذبابة إلى وحش بأفواه عملاقة وأنياب حادة، وتتحول إلى" سيمفونية قاتلة"، يصف السارد فيها الذباب بأنه يفترسه كله.

هذا التضخيم في اللاوعي يكشف عن أن الذباب تحول إلى رمز للخوف الوجودي نفسه، خوف الإنسان من أن يؤكل من الأسفل، من الصغير، مما لا يحسب حسابه، لنقرأ: " إلا أن مواجهتي المرتقبة مع جحافل الذباب التي تكسو المدينة أربكتني وقطعت حبل أفكاري وتأملاتي، فأنا لا أطيق رؤياها ولا أحتمل أن تلمس جسدي أو تمسه، فإذا طافت حولي دون ستار بيننا سيجن جنوني، وإذا كست جسدي كما فعلت بجثة الرجل الملقى على الرصيف لسعيت إلى إضرام النار في نفسي".

تحتل المرأتان الرئيستان في الرواية وظيفتين مختلفتين تماماً، نجوى الزوجة هي الحياة الخاصة: الشقة والجسد والروتين والحميمية المهددة، علاقته بها تحتل مساحة محدودة من الرواية، علاقة تقليدية راكدة ذات مواعيد ثابتة لا تتزحزح.

هي الوحيدة التي يظهر معها البطل هشاشته الحقيقية، حين يقف أمام مرآتها الصغيرة فيرى وجهه منعكساً، ويراها مزعجة كما الذباب، يقول عنها: " تجاهلت صوت نجوى الذي لا يقل إزعاجاً عن طنين الذباب".

أما هند، التي يراقبها في المقهى لأسابيع قبل أن يتعرف إليها، فهي الحياة الموازية الباطنية: مساحة يمكن فيها أن يكون شخصاً آخر، خارج منظومة المؤسسة وسلطتها.

هند هي في النهاية من تجره نحو أزمته المهنية الكبرى.

يحب السارد هند لأنها تذكره بحبيبته الأولى نورهان التي أحبها أيام الدراسة ورفضته، أما هند فلم تحبه أيضاً، وهي النموذج المناقض له، يصفها في نهاية مذكراته بكلمتي" الوديعة الأبية".

الجهاز الذي يعمل فيه السارد لا وجه له ولا اسم معلن، لكن آلياته واضحة تماماً: المراقبة الشاملة، والتقارير اليومية، وقاعدة أن" الكل مراقِب والكل مراقَب".

السارد يعرف أن كل خطوة تسجل، فيمشي بحذر، لكن حذره لا يحميه حين تقرر المؤسسة البطش به.

الحادثة المحورية، حين يفصل من عمله بسبب تقارير المراقبة المرتبطة بالتحقيق في ملفه، حينها تكشف القاعدة الجوهرية: في هذا الجهاز لا يوجد حياد، كل من له علاقة بالمشتبه به مشتبه به بدوره.

السارد يمر بتحول نفسي بطيء عبر الرواية، من موظف يؤمن بنجاعة جهازه ومشروعيته، إلى رجل يدرك أنه صنع لنفسه عالماً موازياً، وبات" غير قادر على التفرقة بين الحقيقي والمتخيل، بين ما حدث فعلاً وما قمت باختلاقه".

هذه الضبابية بين الواقع والاختلاق هي نتيجة حتمية لمهنة تقوم أساساً على بناء روايات عن الناس، في الوقت عينه يحكي البطل في مذكراته عن مازن، الطبيب الذي يتعرف إليه في مستشفى الأمراض العصبية، ليس كطبيب بل كمريض، كان مازن طبيباً، لكن جرى تحويله إلى مريض بعد أن تعرض للتحقيق في شأن قراءته المستمرة للروايات الفانتازية، يقول: " إلا أنني لم أتفهم موقف مازن، لماذا لم يستغن عن الكتب متجنباً الشبهات، كان في مقدوره أن يخرج من هذا المأزق، بماذا قد تفيد الروايات، سألته، قال إنه ظل يبحث من خلالها عن فهم الحياة ومعرفة تفاصيلها من زوايا مختلفة عن زاويته القاصرة".

تبدو الصورة الختامية للمتظاهرين أمام مستشفى الأمراض العقلية، حيث يقف السارد عاجزاً عن الانضمام إليهم، محبوساً في عزلته بمحض اختياره، من أكثر المشاهد في الرواية إيجازاً ودلالة.

أما هند فتقف معه في المستشفى أيضاً، يقول: " بعد ثوان قليلة تدفعني هند نحو البوابة، نصل إليها ونقف أمامها، نمسك بأعمدتها الحديدية وننظر إلى الجموع التي تحتشد".

تميل الرواية إلى لغة سردية واضحة وسلسة، عبر انعكاس ظلال الديستوبيا، مع حضور ملاحظ للمونولوج الداخلي والسخرية الخفية.

كما ينجح الكاتب في خلق إيقاع متوتر عبر التكرار المستمر لصورة الذباب، بحيث يشعر القارئ أن هذا الكائن يحاصر الشخصيات والمدينة معاً.

تبدو الجمل قصيرة، والوصف يميل للإيجاز.

بعض الفصول تتمدد أكثر من حاجتها، لا سيما تلك التي تتناول تفاصيل عمل المؤسسة، لكن في مواضع عديدة يبلغ النثر توتراً حقيقياً: كمشهد الكابوس الذي يتحول فيه الذباب إلى وحش، أو مشهد وحيد القرن يقف عند سرير البطل، كذلك مشهد وقوف السارد في الشارع يراقب وجوه الناس المحكومة بالتعب، والسير في اتجاه واحد، من دون أن يلتفت أحد للذباب، ومشهد محاولته كتابة رسالة حب يدوية لهند.

" في مدينة الذباب"، ليست رواية عن الواقع، بل عن الرواية التي يصنعها بعضهم للواقع، الذباب في النهاية لا يقهر لأنه ليس مشكلة خارجية، بل تجسيد لكل ما تآكل في داخل السارد وفي مدينته.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك