فى قلب القاهرة القديمة، وعلى مقربة من ضجيج الأسواق الشعبية وروائح القهوة الشرقية، يقف متحف الفن الإسلامي كأنه صندوق أسرار ضخم يحفظ ذاكرة الحضارة الإسلامية عبر أكثر من ألف عام.
ليس مجرد متحف تقليدي تصطف داخله القطع الأثرية خلف الزجاج، بل رحلة بصرية وروحية داخل عالم من الزخارف والخطوط والمعادن والسجاد والمخطوطات التي تحكي كيف تحوّل الفن الإسلامي إلى لغة حضارية عابرة للزمان والمكان.
تعود فكرة إنشاء المتحف إلى عهد الخديو إسماعيل في عام 1869، حين ظهرت الحاجة إلى جمع التحف الإسلامية النادرة المنتشرة في المساجد والمباني التاريخية وحمايتها من الضياع.
وكانت البداية الفعلية بمبادرة من “يوليوس فرانتس باشا”، رئيس لجنة حفظ الآثار العربية آنذاك، الذي اقترح إنشاء متحف متخصص للفنون الإسلامية.
وفي البداية جُمعت القطع داخل إيوان جامع الحاكم بأمر الله، قبل أن يتم تشييد المبنى الحالي في ميدان باب الخلق.
وافتُتح المتحف رسميًا عام 1903 في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، ليصبح لاحقًا واحدًا من أهم وأكبر متاحف الفن الإسلامي في العالم.
واجهة المتحف نفسها تبدو كقطعة أثرية؛ فقد استُلهم تصميمها من العمارة المملوكية، بزخارفها الحجرية ونوافذها المقوسة التي تمنح الزائر إحساسًا بأنه يعبر بوابة زمنية نحو عصور الخلفاء والسلاطين.
أكبر كنز للفنون الإسلاميةيضم المتحف آلاف القطع الأثرية القادمة من مصر وإيران وتركيا والأندلس والهند وبلاد الشام، ما يجعله أشبه بخريطة بصرية للحضارة الإسلامية.
وتتنوع مقتنياته بين الخشب والخزف والزجاج والنسيج والمعادن والمخطوطات والأسلحة والحُلي، وكل قطعة تحمل قصة حضارة أو حاكم أو صانع مجهول ترك بصمته قبل مئات السنين.
أقسام المتحف رحلة داخل الحضارةمن أكثر الأقسام سحرًا داخل المتحف، حيث المصاحف النادرة المكتوبة بخطوط كوفية مذهبة، ومجلدات علمية في الطب والفلك والهندسة.
الزائر هنا لا يرى مجرد كتب قديمة، بل يشاهد كيف كان العلم والفن يسيران جنبًا إلى جنب داخل الحضارة الإسلامية.
يعرض أواني وأباريق وشمعدانات صنعت بدقة مذهلة من النحاس والبرونز والفضة، تحمل زخارف نباتية وهندسية وكتابات عربية محفورة يدويًا، تكشف براعة الصناع المسلمين في تطويع المعدن وتحويله إلى فن.
سيوف وخناجر ودروع تعود لعصور مختلفة، بعضها مزين بالذهب والفضة والأحجار الكريمة، لتكشف أن السلاح في الحضارة الإسلامية لم يكن أداة حرب فقط، بل قطعة فنية أيضًا.
يعرض عقودًا وخواتم وأساور مرصعة بالأحجار الكريمة والعقيق والفيروز، تكشف ذوقًا رفيعًا في صناعة الزينة، وتوضح كيف امتزج الفن بالترف في قصور الخلفاء والأمراء.
من أروع أقسام المتحف، خاصة المشكاوات المملوكية الملونة التي كانت تضيء المساجد القديمة.
وعندما تنعكس الإضاءة على الزجاج المزخرف يشعر الزائر وكأنه داخل لوحة من ألف ليلة وليلة.
يضم أطباقًا وأواني خزفية مزينة بالألوان الزرقاء والخضراء والزخارف النباتية، بعضها تأثر بالفن الصيني، ما يعكس التبادل الحضاري والتجاري بين الشرق الإسلامي وآسيا.
هنا تتحدث الخيوط بدل الكلمات.
سجاد فارسي فاخر، ومنسوجات عثمانية، وأقمشة تحمل أقدم كتابات كوفية معروفة، تكشف كيف تحول النسيج إلى سجل تاريخي يوثق العصور الإسلامية المختلفة.
أبواب ومنابر وصناديق خشبية مطعمة بالعاج والأبنوس، محفورة بزخارف دقيقة للغاية، تؤكد أن الفن الإسلامي كان قادرًا على تحويل أبسط الخامات إلى تحف خالدة.
عملات ذهبية وفضية ونحاسية من عصور أموية وعباسية وفاطمية ومملوكية وعثمانية، تمنح الزائر فرصة نادرة لقراءة التاريخ من خلال النقود.
أهم 3 قطع لا يفوتك رؤيتهايُعد من أشهر مقتنيات المتحف، ويرجع إلى العصر المملوكي.
المفتاح مصنوع من النحاس ومزين بكتابات وزخارف دقيقة، وكان يُستخدم لفتح باب الكعبة المشرفة، ما يمنحه قيمة دينية وتاريخية استثنائية.
قطعة نادرة تحمل واحدة من أقدم الكتابات بالخط الكوفي في التاريخ الإسلامي.
ورغم بساطة النسيج، فإن قيمته تكمن في كونه شاهدًا مبكرًا على تطور الخط العربي وتحوله إلى عنصر جمالي وفني.
واحدة من أروع المشكاوات الزجاجية المملوكية، تتميز بألوانها المبهرة وزخارفها المذهبة.
وكانت تستخدم لإضاءة المساجد، لكنها اليوم تضيء ذاكرة الفن الإسلامي نفسه.
المتحف الذي نجا من الانفجارفي عام 2014 تعرض المتحف لأضرار كبيرة إثر انفجار مديرية أمن القاهرة المجاورة، وتحطمت واجهته وتضررت عشرات القطع الأثرية.
لكن عملية ترميم ضخمة أعادت الحياة للمتحف، ليعود أكثر إشراقًا، وكأن الفن الإسلامي يرفض الانكسار مهما مرّت به الأزمات.
مواعيد الزيارة وأسعار التذاكريفتح المتحف أبوابه يوميًا من الساعة 9 صباحًا حتى 5 مساءً، بينما تُغلق شباك التذاكر في الرابعة عصرًا.
أما أسعار التذاكر لعام 2026 فهي:الطالب الأجنبي: 170 جنيهًاويقع المتحف في شارع بورسعيد بميدان باب الخلق، وسط القاهرة التاريخية، ما يجعل زيارته فرصة لاكتشاف المنطقة التراثية المحيطة أيضًا.
زيارة متحف الفن الإسلامي ليست نزهة أثرية عادية، بل مواجهة مباشرة مع عبقرية حضارة استطاعت أن ترى الجمال في كل شيء؛ في السيف، وفي المصحف، وفي قطعة الزجاج، وحتى في العملة المعدنية الصغيرة.
كل قاعة داخل المتحف تبدو كصفحة من كتاب قديم، وكل قطعة أثرية تهمس للزائر بأن الفن كان دائمًا أحد أهم وجوه الحضارة الإسلامية وأكثرها خلودًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك