تزايد الاهتمام في السنوات الأخيرة بالتكوين المهني باعتباره أحد أهم المسارات التي تتيح للشباب اكتساب مهارات عملية تؤهلهم للاندماج المباشر في سوق العمل، خاصة في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية، وارتفاع الطلب على الكفاءات التقنية والحرفية، وأهمية المهن اليدوية والتخصصات التطبيقية التي أصبحت ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار المهني والمساهمة في التنمية الاقتصادية.
ويؤكد مختصون وفاعلون في المجال أن ربط التكوين باحتياجات السوق بات ضرورة ملحة، من أجل تمكين الشباب من فرص حقيقية للعمل أو إنشاء مؤسسات مصغرة، خاصة مع تنوع التخصصات التي تعرف طلبا متزايدا في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدماتية.
بن عيسى: التحولات الاقتصادية تتطلب يدا عاملة مؤهلة ومواكبة التطورات التكنولوجية والمهنيةوأعلنت وزارة التكوين والتعليم المهنيين، منذ أيام قليلة عن الإطلاق الرسمي للبرنامج الوطني الجديد “صنعة”، الذي يحمل شعار “واش راك تستنا… باش دير صنعة! ”، في خطوة ترمي إلى تعزيز ثقافة التكوين المهني لدى الشباب وفتح آفاق جديدة للإدماج الاقتصادي والاجتماعي من خلال اكتساب مهارات مهنية عملية تستجيب لمتطلبات سوق العمل، تم اختيارها بناء على دراسة دقيقة لاحتياجات المؤسسات الاقتصادية والورشات المهنية ومختلف القطاعات.
ويعد برنامج “صنعة” بحسب ما كشفت عنه الوزارة المعنية أول مبادرة وطنية للتكوين المهني موجهة خصيصا لفائدة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و27 سنة، حيث يستهدف مختلف الفئات، بمن في ذلك التلاميذ المتمدرسون والطلبة الجامعيون وغيرهم من الشباب الراغبين في اكتساب حرفة أو تطوير مهاراتهم المهنية خلال فترة زمنية قصيرة.
ويعتمد البرنامج على مسار تكويني تطبيقي حديث يرتكز أساسا على الجانب الميداني والتطبيقي، بهدف ترسيخ ثقافة العمل اليدوي والحرفي لدى الشباب، وتمكينهم من اكتساب خبرات عملية قابلة للاستثمار في سوق الشغل أو في مشاريعهم الخاصة مستقبلا.
ويشمل البرنامج ستة تخصصات مهنية أساسية تعرف طلبا متزايدا في سوق العمل الوطني، وهي الطلاء، والكهرباء المعمارية، والتجصيص وBA13، والسباكة، والتلحيم، والتبريد والتكييف، وهي تخصصات تم اختيارها بناء على دراسة دقيقة لاحتياجات المؤسسات الاقتصادية والورشات المهنية ومختلف القطاعات المنتجة والخدماتية.
كما تهدف إلى توفير تكوين تطبيقي سريع وفعّال يسمح للشباب باكتساب المهارات الأساسية المطلوبة في آجال قصيرة، مع تعزيز فرص إدماجهم المهني وتمكينهم من ولوج عالم الشغل أو التوجه نحو إنشاء مؤسسات مصغرة ومشاريع خاصة تساهم في خلق الثروة ومناصب العمل، فيما سينطلق البرنامج خلال العطلة الصيفية المقبلة، حيث فُتح باب التسجيلات عبر المنصة الرقمية المخصصة للعملية ابتداء من 31 ماي 2026 إلى غاية 4 جوان 2026، على أن تشمل العملية جميع ولايات الوطن، بما يضمن استفادة أكبر عدد ممكن من الشباب من هذه المبادرة الوطنية.
كما ستستقبل مؤسسات التكوين والتعليم المهنيين المتربصين المسجلين خلال الفترة الممتدة من 15 جوان إلى 30 جويلية 2026، وفق برنامج تكويني مكثف يعتمد على التأطير المباشر والمرافقة البيداغوجية المستمرة من طرف مختصين ومكونين ذوي خبرة في مختلف التخصصات المعنية.
ويهدف مشروع “صنعة” إلى تمكين الشباب من اكتساب معارف ومهارات عملية ذات قيمة مضافة، وتعزيز قابلية تشغيلهم في سوق العمل، فضلا عن تشجيع روح المبادرة والعمل الحر، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى دعم التشغيل ومرافقة الشباب نحو الاستقلالية الاقتصادية.
التكوين المهني لمواجهة البطالة ودعم الاقتصادوبالمقابل، أكد المكلف بالإعلام بالمنظمة الجزائرية للبيئة والمواطنة، مخلوفي بن عيسى، لـ” الشروق” أن التخصصات التي تطرحها وزارة التكوين والتعليم المهنيين تعد من بين أكثر التخصصات ارتباطا بحاجيات سوق العمل، سواء على المستوى المحلي أم الوطني، بالنظر إلى الطلب المتزايد عليها في مختلف القطاعات الاقتصادية والخدماتية.
وأضاف بن عيسى أن هذه التخصصات أثبتت نجاعتها في توفير فرص عمل حقيقية للشباب، سواء من خلال الاندماج المباشر في المؤسسات الاقتصادية أم عبر إنشاء مؤسسات مصغرة ومشاريع خاصة.
وأشار إلى أن التحولات الاقتصادية التي تعرفها الجزائر اليوم تتطلب يدا عاملة مؤهلة وقادرة على مواكبة التطورات التكنولوجية والمهنية، وهو ما يجعل التكوين المهني إحدى أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدولة لتلبية احتياجات السوق وتوفير الكفاءات المطلوبة في مختلف المجالات.
وقف الاستيراد في بعض المجالات التقنية والمهنيةكما تساهم هذه التخصصات، بحسبه، في التقليل من الاعتماد على الاستيراد في بعض المجالات التقنية والمهنية، وتحسين نوعية الخدمات المقدمة للمواطنين، إضافة إلى دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وترقية روح المبادرة والمقاولاتية لدى فئة الشباب، بما ينعكس إيجابا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
وأكد المتحدث أن العديد من خريجي معاهد ومراكز التكوين المهني تمكنوا خلال السنوات الأخيرة من الولوج إلى عالم الشغل أو إنشاء مؤسساتهم الخاصة، وهو ما يعكس أهمية هذا المسار التكويني وفعاليته في تحقيق الإدماج المهني.
وبخصوص مسألة عزوف بعض الشباب عن التكوين المهني، أقر بن عيسى بأن بعض التخصصات عرفت خلال فترات سابقة عزوفا نسبيا من طرف المتربصين، خاصة تلك المرتبطة بالأشغال الميدانية أو المهن التي كانت تعاني من بعض الصور النمطية السلبية داخل المجتمع.
غير أنه أكد أن هذا الوضع بدأ يتغير تدريجيا خلال السنوات الأخيرة ارتفع مستوى الوعي لدى الشباب بأهمية اكتساب مهنة تضمن لهم مستقبلا مستقرا وفرصا حقيقية للنجاح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك