طهران- «القدس العربي»: على الرغم من توقف الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، ومرور نحو ستين يوماً على وقف إطلاق النار، لا تزال التجمعات الشعبية الداعمة للنظام وللقوات المسلحة مستمرة في الساحات الرئيسية في طهران وغيرها من المدن الإيرانية.
وهي تجمعات تمتد من المساء حتى ساعات الفجر.
تُعد ساحات «انقلاب» (الثورة)، و»الإمام الحسين»، و»آزادي» (الحرية)، و»فاطمي»، و»ولي عصر»، من أهم مراكز هذه التجمعات في العاصمة.
كما تشهد مراكز المدن الكبيرة والصغيرة تجمع حشود تتكون من العائلات والشباب والطلاب وأفراد الباسيج والناشطين الدينيين ومختلف شرائح المجتمع.
ويحمل الكثير منهم العلم الإيراني، والأعلام الدينية الشيعية، وعلم فلسطين، وعلم حزب الله اللبناني، ويرددون شعارات داعمة للجمهورية الإسلامية والقوات المسلحة وقيادة البلاد، معلنين مواقفهم السياسية.
يتحدث المسؤولون الإيرانيون ومنظمو هذه التجمعات عن إقبال شعبي واسع عليها.
ووفقاً لتصريحات عبد الله خاني، نائب معاون الشؤون الاستراتيجية في رئاسة الجمهورية، فإن أكثر من 56 % من المواطنين شاركوا في هذه التجمعات ليلة واحدة على الأقل، بينما حضر نحو 42 % منهم في الشوارع خلال معظم الليالي.
وحسب قوله، مع استبعاد الأطفال من الإحصاءات، فإن نحو 40 مليون شخص شاركوا في هذه التجمعات مرة واحدة على الأقل، كما واظب عدد كبير منهم على الحضور بشكل مستمر.
وقد استمرت هذه التجمعات خلال فترة الحرب والغارات الجوية على المدن أيضاً في طهران وغيرها من المدن الإيرانية.
وعلى الرغم من مخاطر الهجمات والمخاوف الأمنية، لم يتوقف حضور المؤيدين في الشوارع.
ويرى كثير من المشاركين أن وجودهم في الشارع يمثل شكلاً من أشكال الدعم المباشر للقوات المسلحة وإظهاراً للصمود في مواجهة الأعداء الخارجيين.
وترجع بداية هذه التجمعات إلى الساعات الأولى من إعلان خبر وفاة المرشد الإيراني السابق.
فقد أُعلن خبر مقتل علي خامنئي حوالي الساعة الخامسة صباحاً بالتزامن مع أذان الفجر في اليوم الثاني من الحرب (1 مارس/آذار 2026)، ومنذ اللحظات الأولى تحركت أعداد كبيرة من الناس نحو ساحة «انقلاب» في وسط طهران.
في البداية كانت الساحات يغلب عليها طابع الحداد والعزاء.
فقد كان الناس يقيمون مراسم العزاء وهم يحملون صور المرشد الراحل.
لكن هذه التجمعات خرجت تدريجياً من إطار الحداد لتتحول إلى تجمعات ليلية أصبح محورها الرئيسي دعم الجمهورية الإسلامية والقوات المسلحة والقيادة الجديدة للبلاد.
ويقول بعض المشاركين إن الأيام الأولى شهدت مخاوف من احتمال ظهور معارضين مسلحين أو تنظيم تجمعات من قبل جماعات معارضة أو مؤيدي العائلة البهلوية، ما دفع أنصار النظام إلى الحضور المكثف في الشوارع والساحات.
ومن أبرز سمات هذه التجمعات الحضور الواسع للعائلات.
وإلى جانب البرامج السياسية، خُصصت أقسام مختلفة للأطفال والناشئة.
ففي أحد أركان موقع التجمع، يجلس الأطفال خلف طاولات صغيرة منشغلين بالرسم.
بعضهم يرسم العلم الإيراني، فيما يرسم آخرون صور الصواريخ والطائرات المسيّرة أو الرموز الدينية.
كما توجد محطات للألعاب والترفيه مخصصة للأطفال.
وفي جزء آخر من موقع التجمع، أُقيمت أجنحة ثقافية تعرض أو توزع الكتب الدينية، والمؤلفات المتعلقة بالثورة الإسلامية، والكتب الخاصة بالحرب والمقاومة، إضافة إلى المجلات والكتيبات التي تشرح سياسات الجمهورية الإسلامية.
كما خُصص عدد من الأجنحة للتحليل السياسي.
وفي هذه الأقسام يتحاور المتطوعون والناشطون السياسيون مع المواطنين حول الحرب والتطورات الإقليمية والسياسة الخارجية ومسار المفاوضات المحتملة، ويجيبون عن الأسئلة السياسية المتعلقة بتفاصيل ما يعتبرونه انتصاراً لإيران في الحرب وفي المفاوضات.
كما تُطرح أسئلة حول أسباب إغلاق إيران لمضيق هرمز، وأسباب مهاجمة القواعد الأمريكية في دول المنطقة، وغيرها من القضايا ذات الصلة.
وفي مختلف زوايا هذه التجمعات يمكن مشاهدة أشخاص يتناقشون حول القضايا السياسية، ولا سيما ما يتعلق بمضيق هرمز، واستمرار الحرب، والتفاوض مع الولايات المتحدة.
مع حلول الليل تبدأ برامج الخطب والكلمات.
والمتحدثون هم رجال دين وناشطون سياسيون وممثلون سياسيون وشخصيات ثقافية وفنية مقربة من النظام، إضافة إلى بعض القادة العسكريين، ويتناولون أهم القضايا السياسية الراهنة.
ويتمثل المحور الرئيسي لهذه الخطب في دعم القوات المسلحة والتأكيد على مواصلة مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويرى العديد من المتحدثين أن البلاد تمر بمرحلة مصيرية، وأنه لا ينبغي التراجع أمام الضغوط الخارجية.
كما يؤكدون أن مضيق هرمز يجب أن يبقى مغلقاً، وأنه لا ينبغي تقديم أي تنازلات للولايات المتحدة خلال المفاوضات، وأن الحرب يجب أن تستمر حتى تحقيق النصر الكامل على إسرائيل والولايات المتحدة.
ويُعد موضوع التفاوض مع الولايات المتحدة من أكثر المواضيع تكراراً في هذه الخطب.
ففي العديد من التجمعات يمكن رؤية لافتات كُتب عليها: «لا تُحل أي مشكلة من خلال التفاوض مع أمريكا؛ والدليل هو التجربة».
في جميع أنحاء مواقع التجمعات، تبرز أعلام ورموز عديدة.
ويمكن مشاهدة أعلام كُتب عليها «لبيك يا حسين»، و»يا حسين»، و»يا لثارات الحسين»، إلى جانب أعلام فلسطين وحزب الله اللبناني بين الحشود.
كما نُصبت صور كبيرة للإمام الخميني وعلي خامنئي ومجتبى خامنئي في أماكن مختلفة.
وتحت إحدى الصور الكبيرة لمجتبى خامنئي كُتبت عبارة: «لبيك يا خامنئي».
كما يحمل المشاركون لافتات وشعارات متنوعة، من بينها: «أيها القائد الحر، نحن مستعدون»، و»لقد أصبح خامنئي شاباً، ونحن صامدون حتى النهاية»، «خامنئي الشاب، لإيران العزيزة»، «نحن مطيعون لأوامر القيادة»، «يا سيد مجتبى، نفديك بأرواحنا؛ لقد اشتقنا إلى صواريخك».
كما تظهر في بعض اللافتات شعارات حادة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل ومعارضي الجمهورية الإسلامية، وضد من يصفهم المشاركون بـ»خونة الوطن».
من المواضيع التي أثارت النقاش في هذه التجمعات حضور بعض النساء والفتيات من دون الحجاب الرسمي.
حيث تظهر نساء وفتيات يضعن المكياج ويكشفن شعورهن من دون ارتداء الحجاب.
وهي فئة عادة ما تتعرض لانتقادات شديدة من قبل التيارات الدينية وأنصار النظام.
وخلال الأيام الأولى أثار هذا الأمر ردود فعل لدى بعض المشاركين.
ومع ذلك، شدد المنظمون وبعض الشخصيات الدينية الحاضرة على أن الأولوية في الظروف الحالية هي لاستقطاب أكبر عدد ممكن من المؤيدين للبلاد.
كما أثار ذلك انتقادات من معارضين، اعتبروا ذلك دليلاً على «ازدواجية المعايير» لدى النظام في تطبيق سياسات الحجاب.
إلى جانب الخطب، تتردد في الساحات أصوات اللطميات الدينية والأناشيد الحماسية التي تركز على واقعة كربلاء والإمام الحسين وشعائر شهر محرم، حيث يشارك الحاضرون في ترديد المراثي والقصائد الحسينية المعروفة في الثقافة الشيعية.
كما تُبث أناشيد تتناول مفاهيم التضحية والشهادة والصمود والمقاومة، ويحمل بعضها رسائل داعمة للقوات المسلحة وما يُعرف بـ»الدفاع المقدس الثالث».
وتسهم هذه الأناشيد واللطميات في إضفاء طابع ديني وعاطفي على التجمعات، حيث تمتزج الشعارات السياسية بالرموز والشعائر الدينية.
في بعض مواقع التجمعات أُنشئت أجنحة للتعريف بالمعدات العسكرية الإيرانية.
وتُعرض ملصقات كبيرة للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية أمام الجمهور، مع تقديم شروحات حول قدراتها وخصائصها.
كما تتضمن بعض البرامج عروضاً للتدريب الأولي على استخدام السلاح والدفاع المدني، وهو ما يصفه المنظمون بأنه جزء من الجاهزية العامة في ظروف الحرب.
تحولت الساحات العامة في عدد من المدن الإيرانية إلى فضاء للتعبير عن الدعم للجمهورية الإسلامية والقوات المسلحة والقيادة الجديدة.
وبينما تختلف الآراء بشأن الأبعاد السياسية والاجتماعية لهذه التجمعات، فإنها باتت تمثل بالنسبة للمشاركين وسيلة لإظهار مواقفهم السياسية والتعبير عن رؤيتهم للمرحلة التي تمر بها البلاد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك