عندما أهدتنى «دار الشروق» هذا الكتاب فى سياق ما تهدينيه من منشوراتها، ارتبكت.
فالكتاب ضخم، يفوق ثمانمائة صفحة، وهو رواية! وأنا لا أقرأ الأدب جالسًا على مكتب أو فى مكانى بالمقهى، فالأدب ــ الذى تشرق صفحاته الأولى بوعد لقاء جميل ــ هو متعة خاصة، يتطلب التفاعل معها أن أكون متفرغًا لها بكيانى كله، مستريحًا بجلسة أمدد فيها ساقىّ وظهرى مستند على رأس السرير، وبين يدى الكتاب الأدبى الذى استشرفت من صفحاته الأولى أنه يستحق القراءة، ويستأهل أن أمنحه من وقتى الضنين الباقى، عمرا وصحة، ما يجعلنى أكمله، أو أرجئه، أو أنحيه.
وهذا لايعنى أن بعض ما أرجأته أو نحيته ليس جيدًا، بل لأن لدىّ الكثير مما أود مراجعته أو إكماله، والكثير الذى أتوق لكتابته.
لهذا حيرتنى هذه الرواية الضخمة، فى أكثر من ثمانمائة صفحة!حيرتى لم تكن لأن صفحات الاختبار الأولى للرواية لم تَعبُر اختبار الترحيب بها، ولكن لأن حجمها كان يُصعِّب علىّ ــ فى جلستى تلك ــ أن أتمكن منها، وأقلب صفحاتها بسلاسة.
ماذا أفعل، وقد كان إغراء صفحات الاختبار يشدد علىّ أن بهذه الرواية ما يستحق أن يُقرأ؟ وكنت أعتب على «دار الشروق» أنها لم تنشرها على أربعة أو خمسة أجزاء تيسر قراءتها، على أمثالى على الأقل.
ومن ثم، ارتكبت ما كررته مع كتب ضخمة سابقة، أن أقسمها إلى عدة أجزاء محتفظا بغلافها كوعاء حافظ، وأقرأها جزءًا جزءًا بغوص مريح، واختبار متواصل، لا ينتهى بالضرورة إلى إكمالى قراءة العمل.
ولكن هذا العمل «دماء على خرائط الشرق»، لم يتملكنى لأقرأه كله فقط، بل تملك رغبتى فى أن أرتشف جمالاته العديدة على مهل، توقا إلى امتداد متعتى الفائقة به أطول وقت ممكن.
وقد كان، ويكون، وتحول عتبى على «دار الشروق» إلى الإعجاب بشجاعة مغامرة مُستحَقة، ألخصها فى وصف هذه الرواية الهائلة لنوارة نجم بأنها: «عمل كبير، جميل، شجاع، وفائق الأهمية».
خاصة فى لحظتنا ــ الشرق أوسطية ــ الشقية ــ الحاضرة، وفى ماهو آت من استمرار الشقاء أو تراجعه المراوغ.
إنها رواية تكشف عن جذور ما وصل إليه شرقنا الأوسط، العربى الإسلامى (بالمعنى الجغرافى، الثقافى، والتاريخى، والنقدى لصناعة الطائفية والعِرقية والمناطقية، واختلاق كراهة المختلف، ونفى إنسانيته، وهو اختلاق تدينه وتنفيه المثل العليا فى الدين، صحيح الدين، ونزوعه الروحى والكونى).
عمل هائل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك