على مر تاريخها الممتد، لم تكن بطولة كأس العالم لكرة القدم مجرد حدث رياضي لتحديد هوية البطل، بل تحولت في الكثير من محطاتها إلى مرآة تعكس التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى التي يمر بها العالم.
وفي سجلات الساحرة المستديرة، تبرز نسخة عام 1974 التي استضافتها ألمانيا الغربية، كواحدة من أكثر النسخ إثارة، ليس فقط بسبب الصراع الفني على أرض الملعب، بل لأنها شهدت واحدة من أعقد المواجهات السياسية والرياضية في التاريخ الحديث: الموقعة الوحيدة بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية خلف جدار برلين.
– صراع الأشقاء خلف ظلال الحرب الباردةفي تلك الحقبة، كان العالم يعيش ذروة “الحرب الباردة”، وكان الانقسام الألماني يمثل الرمز الأبرز لهذا الصراع الأيديولوجي العالمي.
ودخلت ألمانيا الغربية البطولة وهي تحمل إرثاً كبيراً؛ فبعد استبعادها من كرة القدم الدولية إبان الحرب العالمية الثانية، نجحت في العودة تدريجياً وصنعت معجزة الكأس في عام 1954 بفوزها التاريخي على المجر، وعملت لقرابة عقدين من الزمن لإعادة بناء كبريائها الوطني وقبولها الدولي.
في المقابل، كانت ألمانيا الشرقية تخوض غمار المونديال للمرة الأولى في تاريخها منذ الانفصال.
وكان من سيناريوهات المستديرة أن تضع الأخوين اللدودين في مجموعة واحدة (المجموعة الأولى)، لتبدأ فصول قصة مشحونة بتوترات سياسية بالغة الحساسية، ألقت بظلالها على العالم بأسره.
– محترفون ضد روتينيين.
والمفاجأة المدويةكفتّا المقارنة قبل اللقاء كانت تميل بوضوح لأصحاب الأرض، فألمانيا الغربية كانت تمتلك فريقاً من النجوم المحترفين مدججين بالثقة، بينما كان لاعبو ألمانيا الشرقية، رغم موهبتهم، يشغلون وظائف روتينية يومية في بلادهم.
ومع ذلك، لم يكن فريق الشرق لقمة سائغة، إذ كان بعض لاعبيه قد تذوقوا المجد الأوروبي قبل شهر واحد فقط بفوز نادي “ماغديبورغ” بكأس الكؤوس الأوروبية.
دخلت ألمانيا الغربية المباراة الأخيرة في المجموعات وهي ضامنة للتأهل، وسط حالة من الاستخفاف الشديد بخصمها وثقة مطلقة في صدارة المجموعة.
أما ألمانيا الشرقية فكانت تقاتل من أجل نقطة التعادل على أقل تقدير لتأمين عبورها.
لكن المستطيل الأخضر لا يعترف بالتوقعات؛ فقد فاجأ الشرق أصحاب الأرض بتنظيم دفاعي حديدي وانضباط تكتيكي صارم صدم الجماهير الغربية.
وفي الأنفاس الأخيرة من الشوط الثاني، صعقت ألمانيا الشرقية جارتها بهدف قاتل كان كافياً لإنهاء المباراة لصالحها، لتنتزع صدارة المجموعة وتترك الغرب في وصافة مصدومة.
– مفارقة المونديال: الخاسر يضحك أخيراًهنا بدأت المفارقة التي غيرت مجرى البطولة بالكامل وصنعت واحدة من أغرب “الحكايا المونديالية”؛ فنظام البطولة آنذاك كان يقضي بانتقال المتأهلين إلى دور مجموعات ثانٍ.
وبسبب تصدرها، وقعت ألمانيا الشرقية في “مجموعة الموت” الحديدية التي ضمت عمالقة أمريكا الجنوبية وأوروبا: البرازيل، وهولندا، والأرجنتين، لتنتهي رحلتها التاريخية في قاع تلك المجموعة.
أما ألمانيا الغربية، فربما كانت تلك الهزيمة هي “ربّ ضارة نافعة”؛ إذ أجبرت الإدارة الفنية على إعادة ترتيب الأوراق والتخلص من الثقة الزائدة.
والأهم من ذلك، أنها وضعت الغرب في مجموعة أكثر توازناً، فحققت الفوز تلو الآخر على يوغوسلافيا والسويد وبولندا، لتشق طريقها نحو النهائي الكبير وتتوج باللقب العالمي الثمين بعد الإطاحة بقطار هولندا “الشامل”.
– صفحة طُويَت.
وفوز للجميعبقيت تلك المواجهة التاريخية هي المرة الأولى والأخيرة التي التقى فيها المنتخبان وجهاً لوجه قبل إعادة توحيد ألمانيا عام 1990.
وفي حسابات التاريخ، خرج الجميع فائزاً من تلك الحقبة؛ إذ نال الشرق شرف الانتصار المعنوي والسياسي والتاريخي في الموقعة المباشرة، بينما نال الغرب اللقب الأغلى وتوج بكأس العالم، لتظل هذه الموقعة شاهداً حياً على أن كرة القدم قادرة على كتابة فصول من التاريخ تعجز عنها السياسة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك