لم تعد مسألة التغيير الجذري وسقوط نظام الملالي مجرد نقاش نظري في مراكز الدراسات، بل تحولت إلى واقع سياسي ملموس يفرض نفسه بقوة على حسابات سلطة الاستبداد والمجتمع الإيراني على حد سواء.
فبينما تحاول الأجهزة الأمنية فرض حالة طوارئ غير معلنة عبر تصعيد الإعدامات وعسكرة المدن لمنع انفجار شعبي جدید، تكشف التقارير والبيانات المسربة من داخل أروقة النظام عن ذعر حقيقي من تنامي نفوذ قوى التغيير المنظمة في الداخل، مما يجعل المواجهة الشاملة القادمة مسألة وقت لا أكثر.
في خطوة غير معتادة، تعكس عمق الهلع والقلق المتزايد داخل هرم السلطة، خرجت إلى العلن تحذيرات غير مسبوقة من وزارة المخابرات تشير إلى مخاوف خطيرة من استغلال الأزمات المعيشية والاقتصادية الراهنة لتهيئة الأجواء وتحريك الشارع.
ورغم محاولات النظام التقليدية والأكاذيب المستمرة لنسب هذا الحراك المتصاعد إلى أعداء خارجيين وأبواق إعلامية أجنبية، إلا أن لغة البيان الرسمية تؤكد اعترافاً ضمنياً واعترافاً حراً بأن مصدر التهديد الحقيقي ليس وراء البحار، بل يربض في قلب المدن الإيرانية؛ حيث تحول الغلاء الفاحش والبطالة والفساد المستشري إلى وقود لا ينضب لبركان الغضب الشعبي.
لقد اعتمد النظام الكهنوتي طوال الأشهر الماضية على استراتيجية مزدوجة ومتوازية لمحاولة الالتفاف على الأزمة: الأولى تمثلت في تشدید القمع الداخلي الممنهج عبر حملات الاعتقال العشوائية، وتشديد الرقابة الرقمية، وتكثيف أحكام الإعدام لإرهاب المجتمع.
والثانية هي تعمد استغلال التوترات الإقليمية وافتعال المواجهات الخارجية لتوظيفها كغطاء وصمام أمان لصرف الأنظار عن الفشل الذريع في إدارة البلاد واحتواء الأزمات الحياتية اليومية.
ومع ذلک، أثبتت التجارب التاريخية أن هذه المسكنات الأمنية والمغامرات الخارجية توفر هدوءاً مؤقتاً وقصيراً فقط؛ فما إن تهدأ طبول الحرب الخارجية حتى تعود الأزمات الهيكلية لتطفو على السطح بقوة مضاعفة، لتجد السلطة نفسها وجهاً لوجه مع مجتمع غاضب فقد الثقة تماماً في أي وعود إصلاحية زائفة ومخادعة يطلقها بزشكيان أو غيره من بيادق النظام.
وما يزيد من هشاشة هذا الوضع المتآكل هو التشرذم الداخلي و تصاعد صراع العصابات والأجنحة الحاكمة حول حصص السلطة والنهب، وسط غموض يلف مستقبل قيادة النظام وتزايد تغول حرس النظام على كافة مفاصل القرار السياسي والاقتصادي والثقافي في البلاد.
هذا التشتت والصراع المحموم في القمة، يقابله توحد متزايد وتنسيق متنامٍ في القاع؛ حيث لم تعد المطالب الشعبية تقتصر على تحسين الظروف المعيشية أو النقابية، بل انتقلت بوعي راديكالي متقدم نحو المطالبة بتغييرات أساسية وجذرية تنهي عقوداً من الحكم الفردي المطلق والاضطهاد المنظم.
إن هذا الانسداد الشامل على كافة الصعد يثبت بالدليل القاطع أن أزمة النظام ليست عابرة، بل هي مشكلة بنيوية عميقة تعود إلى طبيعة التركيبة الحاكمة التي ترفض وبشكل مطلق الاعتراف بحقوق الشعب السيادية وتطلعاته المشروعة.
وأمام هذا الواقع الاستبدادي، يرسم المنتفضون وجيل الشباب اليوم حدوداً قاطعة وحاسمة تفصل بين دكتاتورية الحاضر الكهنوتية وبين إرث الاستبداد السابق الوراثي الذي داسه الشعب الإيراني قبل خمسة عقود.
ويؤكد الثوار عبر شعارهم الاستراتيجي المدوّي في كافة الأزقة والساحات: الموت للظالم، سواء كان الشاه أو الولي الفقيه، أن زمن التبعية والوصاية والقبول بالحكم الفردي قد ولى إلى غیر رجعة، وأن الشعب هو الصانع الوحيد لمستقبله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك