يمرّ يوم 5 يونيو/ حزيران في غفلةٍ عربية شبه كاملة، كأنّه يوم عادي في تقويم مزدحم بالنسيان.
مَن يذكره اليوم؟ ربّما رحل معظم جيل تلك الهزيمة النكراء، وربّما بقيت الهزيمة نفسها أطول عمراً من شهودها.
ذاكرتنا سمكية إلى حدٍّ مُخجل؛ لذلك تمرّ هذه الذكرى باهتةً، بينما ذلك اليوم أحد أكثر الأيّام حضوراً في حاضرنا العربي.
لم تهزم فيه في 1967 الجيوش العربية وحدها، بل هُزم معها مسرح كامل من البلاغة السياسية.
سقطت الطائرات على مدارجها، وسقطت معها إذاعات كانت تبيع الجماهير انتصارات وهمية بالجملة.
كان الناس يسمعون بيانات النصر بينما كانت الأرض تُحتلّ، والسماء تُفقَد، والجيوش تنسحب، والحقيقة تُدفَن تحت ركام الخطابة.
كانت الهزيمة عسكرية في ظاهرها، لكنّها في عمقها كانت فضيحة للنموذج كلّه: نموذج الدولة التي تعوّض ضعفها بالصوت العالي، وتعوّض غياب المؤسّسات بصورة الزعيم، وتعوّض فقر المعرفة بفيض الشعارات.
كانت الساعات الأولى من الحرب كافيةً لكشف ما أخفته سنوات طويلة من الخطاب.
اكتشف العرب فجأة أنّ امتلاك الميكروفون لا يعني امتلاك القوة، وأنّ تمجيد القائد لا يبني جيشاً، وأنّ الأناشيد لا تحمي المطارات، وأنّ الأمّة التي تصادر عقل مواطنها لا تستطيع أن تطلب منه أن يصنع المعجزات عند الحدود.
لقد كانت الهزيمة صفعةً فلسفيةً قبل أن تكون هزيمةً عسكرية؛ صفعة كشفت الفارق بين دولة تبني مؤسّساتها ببطء وبرودة وحساب، وأنظمة تبني أساطيرها بسرعة وضجيج وانفعال.
كانت إسرائيل صغيرة في الجغرافيا، لكنّها لم تكن صغيرة في التخطيط.
كانت تبني جيشاً ومؤسّسات وجامعات ومراكز بحث واقتصاد حرب، بينما كانت أنظمة عربية كثيرة تبني أجهزة تعبئة وهتاف، وتزرع صور القائد في الشوارع، وتؤجّل الحرّية باسم المعركة، ثم تخسر المعركة باسم المفاجأة.
ولهذا لم تكن هزيمة حزيران مجرّد انتصار جيش على جيش، بل انتصار نموذج على نموذج: نموذج دولة تعرف ماذا تريد، في مواجهة أنظمة تعرف كيف تخطب، لكنّها لا تعرف كيف تحاسب نفسها.
لم يعد العدوان وحده المشكلة، بل هذا الخراب الأخلاقي الذي جعل بعض العرب يرون في القصف خلاصاً، وفي الدمار سياسةًومنذ ذلك اليوم بدأ الشرق الأوسط يتغيّر.
تراجعت فكرة الوحدة العربية، لا لأنّها فكرة ميّتة أو رديئة في ذاتها، بل لأنّ من رفعوها لم يبنوا شروطها.
تحوّلت الوحدة من مشروع دولة إلى نشيد رسمي، ومن أفق تاريخي إلى مادّة خطابية.
وصعدت الدولة القُطرية لا بوصفها إنجازاً مكتملاً، بل بوصفها الملجأ الأخير بعد سقوط الأحلام الكُبرى.
والأخطر أنّ الهزيمة لم تفتح ملفّ مراجعة حقيقية، بل تحوّلت، في أحيان كثيرة إلى ذريعة جديدة للاستبداد.
قيل للناس: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
ثمّ خسرنا المعركة، وبقي الشعار قائماً، كأنّ الهزيمة لم تكن سبباً للمساءلة، بل مناسبة لمزيد من الحراسة على الأسئلة.
هكذا صارت النكسة مدرسةً طويلةً في تأجيل الحقيقة.
كلّما سأل المواطن عن الحرية، قيل له: العدو على الحدود.
كلّما سأل عن الفساد، قيل له: المرحلة لا تحتمل.
كلّما سأل عن المؤسّسات، قيل له: نحن في معركة مصيرية.
وفي النهاية لا انتصرت المعركة، ولا بُنيت الدولة.
وهنا الخديعة الكُبرى: أنّ الهزيمة العسكرية تحوّلت إلى نظام حكم، وإلى ثقافة سياسية، وإلى طريقة في إسكات المجتمع باسم الخطر الخارجي، بينما كان الخطر الداخلي يلتهم الدولة من أساسها.
بعد 5 حزيران (أو يونيو) 1967، لم تَعُد إسرائيل مجرّد مشكلة خارجية.
صار السؤال موجعاً أكثر: ماذا في داخلنا جعل الهزيمة ممكنة إلى هذا الحدّ؟ لماذا انهارت جيوش بهذه السرعة؟ لماذا غابت المعلومة الصحيحة؟ لماذا كذبت البيانات؟ لماذا كانت الدولة تعرف كيف تقمع مواطناً أعزل، لكنّها لا تعرف كيف تحمي مطاراً عسكرياً؟ هنا تقع الهزيمة الحقيقية، لا في سيناء وحدها، ولا في الجولان، ولا في الضفّة والقدس، بل في تلك الهُوّة المخيفة بين صورة الدولة وحقيقتها؛ دولة تبدو صلبةً في الاحتفالات، رخوةً في الامتحان، عالية الصوت في المنابر، منخفضة الكفاءة في الميدان.
واليوم، بعد ما يقارب 60 عاماً، لم يعد الخامس من يونيو مجرّد ماضٍ.
يكفي أن ننظر حولنا لنرى كيف خرجت تلك الساعات الستّ من كتب التاريخ لتسكن الجغرافيا الراهنة.
إسرائيل تضرب إيران، وتقصف لبنان، وتدمّر غزّة، وتهدّد بشرق أوسط جديد، وتطبّع مع الإمارات، وتتوسّع في القرن الأفريقي والصومال ومداخل البحر الأحمر، وتتحرّك قوّةً فوق القانون، لا لأنّها تمتلك القوّة وحدها، بل لأنّ الإقليم كلّه لم ينجح في بناء ميزان سياسي وأخلاقي قادر على ردعها.
إسرائيل التي كانت تبحث عام 1967 عن تثبيت بقائها، صارت اليوم تتحدّث بلغة إعادة هندسة الشرق الأوسط.
تضرب هنا، وتهدّد هناك، وتفاوض هناك، وتطبّع مع هذه العاصمة، وتخترق تلك الجغرافيا، وتجد في العالم العربي من يبرّر لها، ومن يصفّق بصمت، ومن يتشفّى بالضحايا، ومن يرى في قصف غزّة ولبنان وإيران انتصاراً على خصومه الداخليين لا جريمةً بحقّ شعب وأرض وإنسان.
وهنا تبلغ الهزيمة معناها الأشدّ مرارةً: لم يعد العدوان وحده المشكلة، بل هذا الخراب الأخلاقي الذي جعل بعض العرب يرون في القصف خلاصاً، وفي الدمار سياسةً، وفي دماء الفلسطينيين واللبنانيين فرصةً لتصفية حسابات مذهبية أو سياسية أو إعلامية.
لم نحوّل الهزيمة إلى معرفة، ولا الصدمة إلى مراجعة، ولا الألم إلى مشروعصار للعدوان جمهور، وللقوة العارية معجبون، وللقتل محلّلون يلمّعون وحشيته باسم الواقعية.
وهذه ليست واقعية، بل إفلاس أخلاقي يرتدي ربطة عنق سياسية.
فالواقعية لا تعني التصالح مع الجريمة، ولا تحويل الضحية إلى عبء، ولا النظر إلى غزّة كأنّها فائض ألم في نشرة أخبار.
الواقعية الحقيقية تبدأ من الاعتراف بأنّ منطقة بلا عدالة، وبلا دولة قانون، وبلا كرامة إنسانية، ستظلّ مفتوحةً لكلّ تدخّل ولكلّ حرب ولكلّ مشروع خارجي.
ومع ذلك، فإنّ المفارقة الوحيدة التي كسرت صورة التفوّق الإسرائيلي المطلق جاءت من المقاومة.
لا ينبغي تحويل هذه الحقيقة إلى خطاب عاطفي ساذج، ولا إلى إنكار لكلفة الحرب وفداحة الخراب، لكن لا يجوز، أيضاً، تجاهل معناها السياسي.
المقاومة لم تلغِ تفوق إسرائيل العسكري، ولم تحلّ أزمة الدولة العربية، لكنّها أذلّت أسطورة الردع الإسرائيلي، وجعلت إسرائيل تخاف، وتختبئ، وتستدعي العالم كلّه لحمايتها، وتخوض حروباً طويلةً ضدّ قوى محاصرة بدل أن تنتصر في ساعات كما فعلت عام 1967.
هذه هي المفارقة القاسية: جيوش دول هُزمت في ساعات، بينما مقاومة محاصرة أرهقت إسرائيل سنوات.
لكنّ هذه المفارقة لا تعفينا من السؤال الأكبر.
فالمقاومة يمكن أن تكسر صورة القوّة، لكنّها لا تستطيع وحدها أن تبني مشروعاً عربياً جامعاً إذا ظلّت الدولة العربية مأزومةً، والمجتمع منقسماً، والعقل السياسي أسير الطائفة والقبيلة والزعيم والخوف.
لذلك فإنّ درس يونيو لا يكتمل بالحديث عن البطولة وحدها، بل بسؤال الدولة: لماذا لا نزال عاجزين عن تحويل الغضب إلى مؤسّسات، والتضحيات إلى مشروع، والذاكرة إلى معرفة، والمعرفة إلى قوّة؟تغيّر العالم كلّه.
انهار الاتحاد السوفيتي، انتهت الحرب الباردة، صعدت الصين، دخل البشر عصر الذكاء الاصطناعي، وصارت القوة تُقاس بالجامعات والخوارزميات والاقتصاد ومراكز البحث، لا بعدد الخطب ولا بطول التصفيق.
أمّا نحن، فما زلنا في مواضع كثيرة نناقش الأسئلة نفسها: الشرعية، الجيش، الدولة، الهُويّة، الطائفة، القبيلة، الزعيم، المؤامرة، الحدود، والعدو.
كأنّ العالم غادر القرن العشرين، وبقي جزءٌ من عقلنا السياسي عالقاً في إذاعة يونيو.
إذا بقينا نعيد الخطب نفسها، وننتظر الزعيم نفسه، ونطبّع مع العجز نفسه، فسنظلّ نعيش داخل تلك الساعات الستّ، حتّى ونحن نظنّ أنّنا غادرناهاليست المشكلة إذن أنّنا هُزمنا في 5 يونيو؛ فالأمم تُهزم ثمّ تنهض.
المشكلة أنّنا لم نحوّل الهزيمة إلى معرفة، ولا الصدمة إلى مراجعة، ولا الألم إلى مشروع.
حوّل غيرنا الكوارث إلى مؤسّسات وثقافة مساءلة ونظام عمل، بينما حوّلنا الهزيمة غالباً إلى خطبة، والخطبة إلى ذكرى، والذكرى إلى منشور عاطفي، ثمّ عدنا إلى النوم.
ومن هنا يبدأ الطريق الحقيقي للخروج من الخامس من يونيو: بناء دولة حديثة تعيد الاعتبار للحرّية والكرامة والمواطنة والقانون.
فالهزيمة لم تكن نقصاً في السلاح وحده، بل نقصاً في الدولة ذاتها؛ دولة ظنّت أنّ الأمن يغني عن الحرّية، وأنّ الزعيم يغني عن المؤسّسة، وأنّ الشعار يغني عن العلم.
لا قوّة بلا دولة، ولا دولة بلا إنسان حرّ، ولا أمن قومياً بلا مجتمع يشعر أنّ الوطن وطنه.
لكنّ الدولة وحدها لا تكفي إذا بقي العرب فرادى.
فلسطين ولبنان وغزّة ليست جبهات بعيدة، بل خطوط الدفاع الأولى عن معنى المنطقة ومصيرها.
من يترك الجبهة الأولى تُؤكَل، سيجد نفسه لاحقاً على المائدة.
لذلك، لا بدّ من إعادة بناء الجسم العربي عبر تحالفات سياسية واقتصادية وأمنية حقيقية، واستقلال القرار، والاعتماد على الذات في المعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد والدفاع.
فالعالم اليوم يعيد رسم خرائط النفوذ من أوكرانيا إلى بحر الصين، ومن غزّة إلى البحر الأحمر.
والسؤال لم يعد: لماذا هُزمنا؟ بل: هل نريد أن نبقى ساحةً يتنافس عليها الآخرون، أم أن نكون قوّةً تمتلك مشروعها وموقعها وتحالفاتها وقدرتها على التأثير؟هنا فقط يبدأ الخروج من ظلال 5 يونيو: حين تتحوّل الهزيمة إلى وعي، والوعي إلى دولة، والدولة إلى حرّية وعدالة ومعرفة، والمعرفة إلى قوّة.
أمّا إذا بقينا نعيد الخطب نفسها، وننتظر الزعيم نفسه، ونطبّع مع العجز نفسه، فسنظلّ نعيش داخل تلك الساعات الستّ، حتّى ونحن نظنّ أنّنا غادرناها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك