أصدرت محكمة تونسية أحكاماً بالمؤبّد في القضية المعروفة إعلامياً بملف" الجهاز السرّي" المنسوب لحركة النهضة، في واحدة من أكثر المحطّات القضائية والسياسية إثارةً للجدل منذ سنوات.
لم يكن الحدث مجرّد حكم ضدّ رئيس البرلمان السابق وزعيم حركة النهضة راشد الغنّوشي، أو ضدّ قيادات سياسية وأمنية سابقة، بل كان تتويجاً لمسار كامل عملت فيه السلطة وحلفاؤها السياسيون والإعلاميون سنوات، حتّى تحوّلت تهمة" الجهاز السري" إلى واحدة من أكثر السرديات حضوراً في المجال العام التونسي.
لم يتحوّل هذا الملفّ يوماً إلى حقيقة سياسية أو قضائية جامعة، فظلّ محلّ نزاع واسع منذ ظهوره، وظلّت الأدلة التي قُدِّمت بشأنه محلّ تشكيك كبير، ليس فقط من حركة النهضة وهيئة الدفاع عنها، بل أيضاً من جزء واسع من المتابعين للشأن التونسي الذين رأوا فيه قضيةً سياسيةً أكثر منها جنائيةً.
وعلى امتداد سنوات، جرى توظيف الملفّ في الصراع الأيديولوجي ضدّ" النهضة"، وضدّ تجربة ما بعد الثورة عموماً، حتّى أصبح أشبه بسردية جاهزة تُستدعى كلّما احتاجت بعض القوى إلى تفسير أزمات الدولة أو إلى تحميل خصم سياسي مسؤولية كلّ ما جرى في البلاد.
لهذا لا يمكن قراءة الأحكام أخيراً مجرّد انتصار للقانون أو حسم نهائي لحقيقة تاريخية ظلّت مخفية.
فالأحكام نفسها تأتي في سياق سياسي معروف، وفي لحظة تعيش فيها السلطة واحدةً من أصعب مراحلها منذ" 25 يوليو" (2021).
الاقتصاد يراوح مكانه، والاستثمار غائب، والقدرة الشرائية تتآكل، والهجرة تستنزف الشباب، والمجال العام يضيق، بينما تتوسّع دائرة المحاكمات والإيقافات لتشمل سياسيين وصحافيين ومحامين ونشطاء ومسؤولين سابقين من اتجاهات مختلفة.
ليست دولة استعادت عافيتها بقدر ما هي سلطة أعادت تركيز القوة داخلها، ثمّ بدأت تستعملها في إدارة المجتمع والخصوملا تبدو هذه المحاكمات مجرّد ممارسة قضائية عادية، بل هي جزء من آلية الحكم نفسها.
فكلّما تعقّدت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وكلّما ازدادت الانتقادات الموجَّهة إلى السلطة، عاد الحديث عن المؤامرات وعن الخونة وعن الملفّات الأمنية الكُبرى.
وكأنّ الدولة لم تعد قادرةً على إنتاج شرعيتها من الإنجاز، فأصبحت تبحث عنها في إدارة الخصوم وفي استدعاء المعارك القديمة.
الأكثر إثارة للانتباه أنّ هذه الأحكام صدرت في وقتٍ بدأت تخرج من داخل أجهزة الدولة نفسها شهاداتٌ خطيرةٌ عن ممارسات يُفترض أنّها أخطر بكثير من كلّ ما قيل عن" الجهاز السري".
فقد تحدّث كمال القيزاني (المسؤول السابق عن المخابرات وأحد كبار المسؤولين الأمنيين الذين عملوا خلال فترة حكم قيس سعيّد) عن تنصّت خارج الأطر القانونية، وعن تدخّلات في ملفّات حسّاسة، وعن ضغوط مورست داخل أجهزة الدولة.
ولم يكن القيزاني معارضاً سياسياً أو خصماً أيديولوجيا للنظام، بل كان جزءاً من المنظومة الأمنية التي تشكّلت بعد" 25 يوليو" (2021).
وقبل القيزاني، كانت نادية عكاشة (المديرة السابقة لديوان الرئيس قيس سعيّد) قد قدّمت صورةً أخرى عن طبيعة السلطة التي تشكّلت بعد" 25 يوليو".
فعكاشة لم تكن مجرّد موظّفة رفيعة في الدولة، بل كانت الأقرب إلى رئيس الجمهورية والأكثر نفوذاً داخل القصر الرئاسي، ثمّ غادرت السلطة قبل أن تتحوّل إلى متهمة في قضية التآمر على أمن الدولة.
وحين تبدأ الشهادات والاتهامات بالخروج من داخل الدائرة التي صنعت النظام نفسه، فإنّ المسألة تتجاوز الخلاف التقليدي بين السلطة ومعارضيها، لتصبح أسئلةً تتعلّق بطبيعة الحكم ذاته.
هنا تحديداً يبرز التناقض الذي يكشف طبيعة اللحظة التونسية الراهنة؛ فالدولة التي بنت جزءاً كبيراً من شرعيتها على الحديث عن أجهزة موازية وغرف مظلمة وشبكات تتحكّم في القرار من وراء المؤسّسات، تجد نفسها اليوم أمام اتهامات ودلائل تتعلّق بالتنصّت والتجسّس والتدخّل في القضاء وصناعة الملفّات واستعمال أجهزة الدولة في إدارة الخصوم.
والسلطة التي رفعت شعار تطهير الدولة من النفوذ الخفي، تواجه اليوم أسئلةً متزايدةً بشأن مراكز النفوذ التي تشكّلت داخلها، وحول طبيعة القرار الذي يُصنع بعيداً من الرقابة والشفافية.
لهذا تبدو قضية ما يسمّى" الجهاز السرّي" في جوهرها أقلّ أهمّيةً من السؤال الذي تطرحه اليوم.
فالقضية لم تعد تتعلّق بما إذا كان هناك جهاز سرّي مزعوم ارتبط بحركة سياسية في الماضي، بل بما إذا كانت الدولة نفسها تدار اليوم بمنطق الأجهزة المغلقة والشبكات غير الخاضعة للمساءلة.
ولم يعد السؤال من اخترق الدولة قبل سنوات، بل من يتحكّم فيها حالياً، وكيف تدار الملفّات الأمنية والقضائية والسياسية داخلها.
لقد جرى تقديم" 25 يوليو" للتونسيين باعتباره لحظة استعادة للدولة من القوى التي اختطفتها، لكنّ الحصيلة التي تتشكّل اليوم ترسم صورةً مختلفةً.
الأحزاب أُضعِفت، والبرلمان أُلغي، ثمّ عاد بصورة هامشية، والمنظّمات تتعرّض للضغط، والإعلام يعيش تحت التهديد، والمعارضة موزّعة بين السجون والمحاكم والمنافي، فيما تتّسع سلطة الأجهزة ويتراجع المجال السياسي عاماً بعد آخر.
هذه ليست دولة استعادت عافيتها بقدر ما هي سلطة أعادت تركيز القوة داخلها، ثمّ بدأت تستعملها في إدارة المجتمع والخصوم.
حين تتحوّل الدولة إلى منتج دائم للملفّات والقضايا والصراعات، يفقد المجال العام توازنه، وتدخل البلاد في حالة من الفوضى السياسية والقانونية المقنّنةولهذا، لا يبدو المؤبّد الصادر قبل أيام حكماً على أشخاص بقدر ما يبدو رسالةً سياسيةً موجّهةً إلى المجال العام كلّه.
رسالة تقول إنّ السلطة مستعدّة للذهاب إلى أقصى الحدود في معركتها مع خصومها، وإنّ القضاء أصبح جزءاً من هذه المعركة.
لكنّ المشكلة أنّ السياسة لا تحسم بالأحكام، وأنّ الدول لا تبني استقرارها بالخوف، وأنّ السجون لم تنجح يوماً في حلّ الأزمات التي تعجز السلطة عن حلّها في الاقتصاد والمجتمع والسياسة.
والمفارقة أنّ راشد الغنوشي نفسه لا يواجه للمرّة الأولى أحكاماً من هذا النوع.
فقد صدرت ضدّه خلال العقود الماضية أحكامٌ ثقيلةٌ وصلت إلى المؤبّد، وقضى سنوات طويلة بين السجون والمنافي، لكنّ هذا لم ينهِ حضوره السياسي ولا إنتاجه الفكري ولا تأثيره في الحياة العامّة.
وهذه ليست خصوصية تونسية، بل واحدة من الحقائق الثابتة في التاريخ السياسي.
فلا وجود للمؤبّد في السياسة.
لا تعرف السياسة الأحكام النهائية.
الأنظمة التي بدت أبديةً سقطت، والزعماء الذين اعتقدوا أنّهم أغلقوا التاريخ بأيديهم خرجوا منه فجأة.
رفعت أنظمة عربية شعارات الخلود والبقاء الأبدي، وانتهت إلى السقوط أو التآكل أو الانهيار.
وقبل أشهر، كان أنصار بشّار الأسد يردّدون شعارات من قبيل" الأسد إلى الأبد"، قبل أن تنقلب الوقائع على أوهام الأبد السياسي.
فالتاريخ لا يعترف بالمؤبّد، ولا تعترف به المجتمعات، ولا تعترف به موازين القوى المتحوّلة باستمرار.
لهذا، تبدو الأحكام الصادرة أخيراً أقلّ ارتباطاً بمصير المحكوم عليهم من ارتباطها بحالة السلطة نفسها.
فحين تبدأ الأنظمة في استعمال العقوبات القصوى، والملفّات الكُبرى، والاتهامات الواسعة ضدّ خصومها، وضدّ حلفاء الأمس أحياناً، فإنّها تكون قد دخلت مرحلةً مختلفةً من عمرها السياسي.
لم تعد المسألة مرتبطةً بإدارة التنافس أو تنظيم المجال العام، بل بإدارة الخوف نفسه.
وتكشف الوقائع أخيراً اتساع هذه الدائرة بصورة لافتة.
فالملاحقات لم تعد تستهدف المعارضين التقليديين فقط، بل امتدّت إلى شخصيات كانت جزءاً من الحزام السياسي الذي ساند قيس سعيّد في السنوات الأولى.
ويبرز هنا ملفّ المحامي والقيادي السابق في حركة الشعب خالد الكريشي، وهو أحد أبرز داعمي مسار" 25 يوليو" في بدايته، قبل أن يجد نفسه في مواجهة الملاحقة والسجن.
كما شهدت الأيّام الماضية قضايا وتحقيقات استهدفت نشطاء وشباباً من المجتمع المدني في مناخ يتّسم باتساع دائرة الخوف أكثر من اتّساع دائرة الحوار.
السلطة التي تعجز عن إنتاج الأمل لا يبقى أمامها سوى إنتاج الخوف، والسلطة التي تعجز عن إدارة المستقبل تنشغل بإدارة الخصومهذه ليست فقط مرحلة إدارة الخوف، بل مرحلة إدارة العبث أيضاً.
فحين تصبح الحدود بين السياسي والقضائي والأمني أكثر ضبابيةً، وحين تتحوّل الدولة إلى منتج دائم للملفّات والقضايا والصراعات، يفقد المجال العام توازنه، وتدخل البلاد في حالة من الفوضى السياسية والقانونية المقنّنة.
عندها لا يعود الهدف إقناع المجتمع أو كسبه، بل إنهاكه وإرباكه ودفعه إلى التكيّف مع واقع يعتبر الخوف جزءاً من الحياة اليومية.
ويقول تاريخ الأنظمة إنّ هذه المرحلة ليست علامة قوّة كما تحاول السلطة أن تقدّمها، بل علامة قلق عميق.
فالأنظمة الواثقة من نفسها توسّع المجال العام لأنّها لا تخشاه.
أمّا الأنظمة التي تشعر بأنّ الأرض تضيق تحت أقدامها فتستدعي أدوات الردع الممكنة دفعة واحدة.
تستدعي القضاء والأمن والإعلام والاتهامات الكُبرى، وتعيد فتح المعارك القديمة، وتبحث عن خصوم جدد كلّما استهلكت خصومها السابقين.
تبحث الأنظمة القوية عن شرعيتها في الإنجاز.
أمّا الأنظمة المأزومة فتبحث عنها في الخصوم.
وبين النموذجَين تتحرّك تونس اليوم.
فبينما تتراكم الأزمات التي تنتظر حلولاً، تواصل السلطة استدعاء الملفّات التي تمنحها فرصةً لإعادة إنتاج الاستقطاب القديم وإشغال الرأي العام بمعارك الماضي.
لكنّ الماضي لا يحكم الحاضر إلى الأبد، والخصوم لا يمكن أن يكونوا مشروع حكم دائم، والخوف لا يصنع دولة.
ولهذا، لا تبدو تلك الأحكام دليلاً على استقرار النظام، بقدر ما تبدو دليلاً على دخوله مرحلةً متقدّمةً من مراحل الحكم بالخوف.
وهي مرحلة عرفتها تجارب كثيرة قبل أن تصل إلى لحظة الإنهاك، ثمّ التراجع.
فالسلطة التي تعجز عن إنتاج الأمل لا يبقى أمامها سوى إنتاج الخوف، والسلطة التي تعجز عن إدارة المستقبل تنشغل بإدارة الخصوم.
لكن الخوف، مثل المؤبّد، لا يحكم السياسة إلى الأبد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك