في النصف الثاني من القرن العشرين، كان للمثقف موقع يكاد يوازي موقع السياسي أو رجل الدولة؛ كانت مقالاته تُقرأ باعتبارها مرجعًا لفهم الواقع، وكانت كتبه جزءًا من النقاش العام، بينما كانت آراؤه قادرة على التأثير في الرأي العام وصناعة القرار.
لم يكن المثقف مجرد صاحب معرفة، بل كان وسيطًا بين المجتمع والأفكار، ومفسرًا للتحولات الكبرى، وأحيانًا ضميرًا أخلاقيًا للأمة.
لكن المشهد اليوم يبدو مختلفًا تمامًا.
فبينما يتراجع حضور المثقف التقليدي، يصعد نموذج جديد يتمثل في «المؤثر» وصانع المحتوى.
ملايين المتابعين، ومقاطع لا تتجاوز دقائق أو ثوانٍ، وتأثير يتجاوز أحيانًا تأثير مؤسسات إعلامية وثقافية عريقة.
وهنا يظهر السؤال المهم: هل فقدت النخبة دورها فعلًا، أم أن أدوات التأثير فقط هي التي تغيرت؟لفترة طويلة، كان احتكار المعرفة أحد مصادر قوة المثقف.
الوصول إلى المعلومات كان محدودًا، والكتاب والصحيفة والجامعة كانت البوابات الأساسية للمعرفة.
ولذلك احتل المثقف مكانة خاصة بوصفه منتجًا للأفكار ومفسرًا للأحداث.
لكن الثورة الرقمية قلبت هذه المعادلة رأسًا على عقب.
فاليوم يستطيع أي شخص الوصول إلى كم هائل من المعلومات بضغطة زر.
لم تعد المشكلة في الحصول على المعلومة، بل في فهمها وفرزها وتفسيرها.
ومع ذلك، فإن هذا التحول أضعف المكانة التقليدية للمثقف، لأن الجمهور لم يعد مضطرًا للمرور عبره للوصول إلى المعرفة.
في المقابل ظهرت سلطة جديدة يمكن تسميتها «سلطة الوصول».
لم يعد الأكثر تأثيرًا هو الأكثر معرفة، بل الأكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور وجذب انتباهه.
وهكذا انتقل مركز الثقل من إنتاج المعرفة إلى إدارة الانتباه.
من هنا بدأ صعود «المؤثر».
لم يكن الأمر مجرد تطور إعلامي، بل تحول اجتماعي وثقافي عميق.
فالمؤثر لا يقدم نفسه باعتباره خبيرًا أو أكاديميًا، بل باعتباره شخصًا يشبه جمهوره ويتحدث بلغته اليومية.
وهذا ما يمنحه قدرًا من المصداقية العاطفية التي قد يفتقدها المثقف التقليدي.
ولم تتأخر المؤسسات الكبرى في إدراك هذا التحول.
فالشركات بدأت في الاعتماد على المؤثرين لتسويق منتجاتها، ثم تبعتها الأحزاب السياسية والحكومات في مخاطبة الرأي العام.
وبات الوصول إلى الجمهور يمر في كثير من الأحيان عبر صانع محتوى أكثر مما يمر عبر صحيفة أو كتاب أو برنامج حواري.
لكن تحميل المثقف وحده مسؤولية هذا التراجع قد يكون تبسيطًا للمشهد.
فالأزمة ليست فقط أزمة مثقف، بل أزمة وسيط أيضًا.
في الماضي كانت الصحيفة اليومية أو الشاشة التليفزيونية أو الندوة الثقافية تمنح المثقف منصة مستقرة للتأثير.
أما اليوم فقد تفككت هذه المنصات، وأصبح المجال العام أكثر ازدحامًا وتنافسية.
والمثقف الذي لا يزال يستخدم الأدوات نفسها التي استخدمها قبل ثلاثين عامًا يجد نفسه معزولًا في مساحة تضيق باستمرار.
ليس لأن أفكاره فقدت قيمتها، بل لأن وسيلة إيصالها لم تعد فعالة كما كانت.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي هو لماذا لم ينجح كثير من المثقفين في التكيف مع البيئة الجديدة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك