كانت الساعة العاشرة و35 دقيقة صباح يوم 6 يونيو، مثل هذا اليوم، 1982 حين اقتربت 13 دبابة «ميركافا» عند جسر الحمراء الفاصل بين لبنان وإسرائيل، وكان هناك فى تلك اللحظة 6 جنود هولنديين من قوات «اليونيفيل» عند الحاجز، حاولوا منع الدبابات من التقدم بوضع عوائق على الطريق، ولكن جنود الجيش الإسرائيلى استمروا بالتقدم هاتفين: «نحن آسفون هذا غزو»، وفقا لما ذكره «تيمور غوكسل» المتحدث باسم قوات الأمم المتحدة المنتشرة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية فى حديث تليفزيونى، مضيفا: «تمكن الهولنديون الستة من إعاقة دبابتين بصورة مؤقتة لكن هذا لم يدم طويلا، فقد تلت الدبابات الأولى 100 دبابة أخرى»، وكان ذلك هو بداية غزو إسرائيل للبنان، والذى جاء بعد اجتماع طارئ عقدته الحكومة الإسرائيلية يوم 4 يونيو 1982 عقب محاولة اغتيال السفير الإسرائيلى فى لندن «شلومو أرجوف» على أيدى مجموعة «أبونضال» المنشقة عن منظمة التحرير الفلسطينية.
استهدف الغزو القضاء على قوات منظمة التحرير الفلسطينية فى لبنان، وكان من اللافت فى توقيته أنه يتوافق مع ذكرى نكسة 5 يونيو 1967 والتى منيت فيها مصر وسوريا والأردن بهزيمة من إسرائيل أسفرت عن احتلال سيناء والجولان والضفة الغربية، واختارت إسرائيل هذا التاريخ موعدا لتنفيذ عدوانها على لبنان لتعميق شعور العرب بهزيمتهم أمامها، وبالرغم من إعلانها بأن قرارها بشن هذه الحرب كان ردا على محاولة اغتيال السفير «شلومو أرجوف»، إلا أن الأهداف الحقيقية كانت فى تنفيذ التصورات الأمريكية الإسرائيلية لشرق أوسط جديد، بدأت أولى خطواته بتوقيع اتفاقية «كامب ديفيد» بين الرئيس أنور السادات، ورئيس الوزراء الإسرائيلى مناحم بيجين.
كان لبنان هو المكان الذى توجد على أرضه منظمة التحرير الفلسطينية بقواتها الفدائية وقيادتها ومقارها الرئيسية، وذلك لشن هجمات منها ضد إسرائيل، وذلك طبقا لاتفاق تم إبرامه فى القاهرة يوم 3 نوفمبر 1969 بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية، وبتدخل من الرئيس جمال عبدالناصر، ووقع عليه، ياسر عرفات رئيس المنظمة وقائد الجيش اللبنانى أميل البستانى، ومع التحولات التى أحدثتها كامب ديفيد فى المنطقة فإن خروج المنظمة من لبنان أصبح هدفا لإسرائيل وأمريكا، بالإضافة إلى توقيع اتفاق للسلام بين لبنان وإسرائيل.
سبقت بداية الحرب زيارة لوزير الدفاع الإسرائيلى شارون إلى واشنطن، ويكشف «يفجينى بريماكوف» السفير السوفيتى فى مصر فى الستينيات، ورئيس الوزراء الروسى فيما بعد فى كتاب «الكواليس السرية للشرق الأوسط»، ترجمة نبيل رشوان: «زار شارون واشنطن فى الأيام الأولى من يونيو 1982، حيث أجرى عددا من اللقاءات السرية مع قيادات المؤسسة العسكرية الأمريكية، ومن الصعب تصديق أنه لم تخرج منه دون قصد ولو كلمة عن تلك العملية العسكرية، التى تم تنفيذها بعد عدة أيام من هذا اللقاء، ربما كان لدى الجانب الأمريكى بعض الشكوك، لكنها ليست رفضا حاسما فى ما يتعلق بالاستعداد لدخول لبنان، وكما كتب «وليم كواندت»: «إن وزير الخارجية «ألكسندر هيج» عندما أخبره رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية بمعلومات عن العملية التى يخططون لها قال: ليس قبل انسحاب القوات من سيناء».
بدأ الاجتياح بقصف جوى ومدفعى كثيف على مدينة صيدا وقرى النبطية والدامور وعرونون وقلعة الشقيف الاستراتيجية، وبالرغم من المقاومة الشرسة التى أبداها مقاتلو منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية بفصائلها المتعددة من اليسار والناصريين والحزب التقدمى الاشتراكى بزعامة وليد جنبلاط، إلا أن القوات الإسرائيلية احتلت قلعة «الشقيف»، وسلمتها إلى عميلها «سعد حداد» الذى نصبته إسرائيل قائدا لجيش لبنان الجنوبى الموالى لها، ثم سقطت مدينة صيدا وصور والدامور وهى معاقل لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولم تكن عملية الاجتياح نزهة للقوات الإسرائيلية، ففى الأيام الأولى تكبدت خسائر بشرية كثيرة بلغت فى بعض التقديرات نحو 400 قتيل وجريح، وتدمير حوالى 50 دبابة و40 ناقلة جنود إضافة إلى إسقاط 5 طائرات مقاتلة وهليكوبتر.
تقدم الجيش الإسرائيلى نحو الطريق الرئيسى بين بيروت ودمشق، حتى وصل إلى بيروت يوم 9 يونيو 1982 ليبدأ فى حصارها والذى استمر نحو 88 يوما، شهدت خلالها توقيع اتفاق يقضى بخروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وتوزيعها إلى سوريا وتونس واليمن والسودان، وكان ذلك بمثابة النهاية العملية لوجود قواتها الفدائية فى إحدى الجبهات المباشرة مع إسرائيل، وخلال هذا الحصار وقعت مجزرة صابرا وشاتيلا، والتى راح ضحيتها مئات الفلسطينيين، وانتخب بشير الجميل رئيسا للبنان فى 23 أغسطس 1982 تحت التهديد وشراء أصوات النواب، وذلك وفق مخطط إسرائيلى أمريكى ليقوم بالتوقيع على معاهدة سلام مع إسرائيل، لكنه اغتيل يوم 14 سبتمبر 1982، وانتخب بدلا منه شقيقه أمين الجميل الذى وقع بالفعل اتفاقية سلام يوم 17 مايو 1983، لكنها لم تصمد طويلا وتم إسقاطها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك