أكد رئيس مجلس الوزراء اللبناني الدكتور نواف سلام، أن إعادة تشغيل مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض في القليعات تمثل قراراً سياسياً وإنمائياً ووطنياً بامتياز، مشدداً على أن الدولة اللبنانية لن تتخلى عن واجبها في تثبيت حق لبنان في أرضه وسيادته وأمن أبنائه، كما أنها لن تهمل مسؤوليتها في تحقيق الإنماء والنهوض الاقتصادي والعدالة الاجتماعية في مختلف المناطق اللبنانية.
وقال سلام، خلال كلمة ألقاها في مطار رينيه معوض في القليعات، إن اللقاء في عكار يحمل أكثر من معنى، موضحاً أن الأنظار تبقى مشدودة في الوقت نفسه إلى الجنوب اللبناني.
وأضاف أن معاناة أبناء الجنوب هي معاناة جميع اللبنانيين، مؤكداً أنه كما لا يمكن تحقيق الاستقرار في لبنان طالما بقي الجنوب مهدداً، فإن البلاد لن تتعافى أيضاً إذا استمرت عكار مهمشة والبقاع محروماً من التنمية.
وأشار إلى أن إطلاق أعمال تأهيل وتشغيل مطار القليعات لا يقتصر على إنشاء مدرج أو تطوير قاعة ركاب جديدة، بل يعكس قراراً واضحاً بعدم إبقاء عكار خارج أولويات الدولة الإنمائية.
ولفت إلى أن المحافظة عانت لعقود طويلة من الحرمان والتهميش وضعف الاستثمارات في البنى التحتية والخدمات وفرص العمل، رغم ما قدمه أبناؤها للوطن من تضحيات، ولا سيما من خلال انخراط الآلاف منهم في القوات المسلحة واستشهاد العديد منهم في سبيل لبنان.
وأوضح سلام، أن الأرقام تعكس حجم التحديات التي تواجهها المحافظة، حيث سجلت عكار أعلى معدل فقر بين المحافظات اللبنانية بنسبة بلغت 62 في المئة، مقارنة بـ33 في المئة على المستوى الوطني، كما سجلت أدنى نسبة مشاركة في النشاط الاقتصادي وسوق العمل بحدود 35 في المئة مقارنة بـ43 في المئة على المستوى الوطني، فيما يقترب معدل البطالة من ربع سكان المحافظة.
وأكد أن مشروع تشغيل مطار الرئيس رينيه معوض يشكل خطوة أساسية في مسار الإنماء المتوازن وتحقيق العدالة بين المناطق، معتبراً أن الدولة مسؤولة عن توفير الفرص المتكافئة لجميع مواطنيها.
وذكّر بأن الحكومة كانت قد تعهدت في بيانها الوزاري بتشغيل المطار لأهميته الإنمائية، معتبراً أن هذا الالتزام بدأ يتحول اليوم إلى واقع ملموس.
وأشار إلى أن خطة الحكومة للنهوض بالشمال وعكار لا تقتصر على تشغيل المطار، بل تستند إلى رؤية متكاملة تقوم على أربع ركائز استراتيجية تشمل أيضاً تفعيل المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، واستكمال مشروع معرض الرئيس الشهيد رشيد كرامي الدولي، وتطوير مرفأ طرابلس، مؤكداً أن الحكومة قطعت خطوات عملية في هذه الملفات.
وأوضح سلام أنه زار المطار في مارس من العام الماضي على متن مروحية تابعة للجيش اللبناني، حيث جرى تجديد الالتزام الحكومي بإعادة تشغيله للأغراض المدنية، وتم توقيع اتفاق مع شركة دار الهندسة لإعداد مخطط توجيهي ودراسة جدوى أولية قدمت مجاناً.
وأضاف أن العمل استمر بعد ذلك على الجوانب القانونية والإدارية، وتم إعداد دفتر الشروط وإطلاق المزايدة وفق الأصول، لتفوز بها الجهة صاحبة العرض الأكثر تنافسية.
ولفت إلى أن وصوله إلى القليعات على متن طائرة تجارية يحمل رسالة واضحة بأن المشروع لم يعد مجرد فكرة مؤجلة، بل أصبح مساراً عملياً بدأ يتجسد على أرض الواقع، معرباً عن أمله في أن يفتح تشغيل المطار آفاقاً جديدة أمام عكار والشمال في مجالات العمل والخدمات والنقل والشحن والتجارة والسياحة.
وأكد أن مطار القليعات ليس بديلاً عن مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، بل يشكل جزءاً من رؤية متكاملة لتطوير البنية الجوية اللبنانية وربط المناطق بالدورة الاقتصادية الوطنية.
وأعرب عن ثقته بأن الرحلات الجوية ستنطلق قريباً من المطار، بما يحول عكار إلى مركز اقتصادي فاعل وبوابة للبنان نحو سوريا ومحيطه العربي والعالم.
وتوقف سلام عند الرمزية الوطنية والتاريخية للمطار، مشيراً إلى أن المكان شهد عام 1989 انعقاد جلسة مجلس النواب التي أُقرت خلالها وثيقة الوفاق الوطني المعروفة باتفاق الطائف، كما انتُخب فيه الرئيس الشهيد رينيه معوض رئيساً للجمهورية قبل اغتياله بعد أيام قليلة.
وشدد على أن إعادة الحياة إلى مطار الرئيس رينيه معوض لا تعني فقط إعادة تشغيل مرفق عام، بل تمثل استعادة لمعنى الدولة واستحضاراً لروح اتفاق الطائف باعتباره مشروعاً سياسياً لم يكتمل بعد.
وأكد أن الطائف نص بوضوح على أن الإنماء المتوازن يشكل ركناً أساسياً من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام، معتبراً أن الحكومة تعمل اليوم على تحويل هذا المبدأ من نص دستوري إلى مشاريع تنفيذية على الأرض.
وأشار إلى أن استكمال تنفيذ اتفاق الطائف لا يقتصر على الإنماء المتوازن أو اللامركزية الإدارية والإصلاحات المؤجلة، بل يتطلب أيضاً بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية بقواها الذاتية، وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية، وعودة الأمن والاستقرار إلى الجنوب، وإطلاق عملية إعادة الإعمار.
وأكد أن مسار الطائف هو مسار الدولة السيدة القادرة على حماية جميع اللبنانيين وضمان حقوقهم، وهو أيضاً مسار الإصلاح والإنماء المتوازن الذي التزمت به الحكومة في بيانها الوزاري ولن تتراجع عنه.
وفي ختام كلمته، شكر سلام جميع الجهات التي ساهمت في إنجاح مشروع إعادة تشغيل المطار، وفي مقدمتها وزارة الأشغال العامة والنقل، والجيش اللبناني، والهيئة الناظمة للطيران المدني، والمديرية العامة للطيران المدني، والأجهزة الرقابية والإدارية والأمنية المعنية، إضافة إلى شركة دار الهندسة.
كما وجه تحية خاصة إلى أبناء عكار الذين انتظروا طويلاً إعادة الحياة إلى المطار وتمسكوا بحقهم في الإنماء والعدالة والكرامة، معتبراً أن تحقيق هذا المشروع يشكل ثمرة لصبرهم وإصرارهم.
وختم بالقول إن القليعات التي شهدت محطة سياسية مفصلية في تاريخ الجمهورية اللبنانية تطلق اليوم رسالة جديدة مفادها أن لا مناطق منسية بعد الآن، ولا إنماء مؤجلاً بعد اليوم، مؤكداً أن لبنان يستحق دولة واحدة وفرصاً متساوية ومستقبلاً مشتركاً لجميع أبنائه.
واختتم سلام كلمته بالقول: " مبروك لعكار، مبروك للشمال، ومبروك للبنان".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك