قبل أكثر من اثني عشر عاماً، وأنا أقرأ رواية" الجحيم" لدان براون، توقّفت عند مشهد لم يكن في قلب الحبكة بقدر ما كان في قلب السؤال الأخلاقي الذي أثاره داخلي.
كان بطل الرواية روبرت لانغدون، كعادته، يقود القارئ في رحلة بين الفن والرموز والتاريخ، لكن ما لفتني يومها كان سقف معمودية سان جيوفاني في فلورنسا، وتحديداً صورة الشيطان في الفسيفسائية التي تُظهر كائناً بشعاً، متوحّشاً، مُتعدّد الرؤوس، يلتهم البشر في مشهد واضح لا يحتاج إلى شرح.
منذ ذلك اليوم وأنا أتساءل: لماذا نصرّ على تصوير الشرّ قبيحاً؟ربّما لأنّ القبح يريحنا.
حين يكون الشر مُشوّهاً، لربما يصبح اكتشافه أسهل، نراه فنحذر منه.
نرسم له قروناً وأنياباً ووجوهاً مُنفّرة كي نطمئن إلى أنّنا لن ننخدع به، ولن نجالسه، ولن نصفّق له، ولن نطلب توقيعه، ولن نضع صورته على الأغلفة.
لكن التجربة الحديثة تقول شيئاً آخر، تقول إنّ الشر لا يأتي دائماً من الجحور ولا من الجحيم السفلي.
أحياناً يأتي باسماً لامعاً، بوجه جميل، وابتسامة محسوبة، وبدلة إيطالية مُصمّمة بعناية، ومقعد في الصف الأوّل.
هنا لا أتحدّث عن القبح أو الجمال بمعناهما السطحي، ولا عن إدانة المظهر الأنيق في ذاته.
المشكلة ليست في الجمال، بل في قدرة الجمال على تخدير الحكم الأخلاقي.
في أن نرى الصورة قبل الفعل، والابتسامة قبل الضحية، والنجاح قبل الجريمة، واللمعان قبل الدم.
الفارق بين شيطان المخطوطات القديمة والشياطين المعاصرة، أنّ الأوّل يخيفنا فنبتعد عنه فيما الثاني يدهشنا فنقترب منهمع عودة الحديث في 2026 عن فيلم" الشيطان يرتدي برادا" في جزئه الثاني، تبدو الاستعارة أكثر إلحاحاً.
لم يعد الشيطان في المخيال المعاصر في حاجة إلى قرون وذيل ووجه مُفزع.
قد يرتدي" برادا"، أو ماركة" أرماني"، أو" لوي فيتون" أو أيّ علامة أخرى تناسب جمهوره.
وقد يظهر في قمّة دولية، أو في حفل خيري، أو على منصّة يتحدّث فيها عن القيم، والإنسانية، والمستقبل.
لقد تعلّم الشر الحديث أن يتجمّل، أن يستعير لغة الذوق، والنجاح، والنفوذ، والأعمال الخيرية، والعلاقات العامة.
تعلّم أن يُحيط نفسه بالمصوّرين، والمستشارين، والحرّاس، والمُصفّقين.
تعلّم أن يجعل صورته العامة حاجزاً بين الناس وبين حقيقته.
فكم من شخصيات بدت ساحرة في العلن، ثم تكشّفت لاحقاً عن عوالم إبستينية مُظلمة من الاستغلال والانتهاك؟ وكم من زعماء ظهروا أنيقين على المنابر، بينما كانت قراراتهم تترك خلفها خراباً وجثثاً ومدناً مكسورة؟ وكم من مشاهير أحبّهم الجمهور لأنّ الكاميرا أحبّتهم أولاً، قبل أن نكتشف أنّ الضوء كان يخفي أكثر ممّا يكشف؟هذا هو الفارق بين شيطان المخطوطات القديمة والشياطين المعاصرة.
الأوّل يخيفنا فنبتعد عنه، أمّا الثاني فيدهشنا فنقترب منه.
الأوّل واضح في قبحه، والثاني خطير لأنّه يعرف كيف يبدو بريئاً، وجذاباً، وناجحاً، وربما ملهماً.
الأوّل يلتهم البشر في مشهد مُعلن، بينما الثاني قد يلتهمهم خلف أبواب مغلقة، ثم يخرج إلى الكاميرا نظيفاً شكلياً يدّعي البراءة وهو بكامل أناقته.
لم يعد الشر مضطراً إلى أن يبرّر نفسه أخلاقياً.
فقط عليه أن يبدو جميلاً بما يكفي كي نؤجل أسئلتناولذلك لم تعد المسألة سؤالاً عن المظهر، بل عن البصيرة.
علينا أن نكفّ عن افتراض أنّ الشر سيُعلن نفسه بملامح منفّرة، فلا تنتظر رؤية دجال أعور وُسِم بوسم كافر على جبينه.
علينا أن نسأل: ماذا يخفي هذا البريق؟ من دفع ثمن هذه الصورة؟ ومن تمّ إسكاتهم كي تبقى الابتسامة كاملة؟ ومن تُمحى آلامهم كي يستمرّ المشهد أنيقاً؟في زمن الصورة، لم يعد الشر مُضطراً إلى أن يبرّر نفسه أخلاقياً.
فقط عليه أن يبدو جميلاً بما يكفي كي نؤجّل أسئلتنا.
وهذه أخطر هزائمه لنا، عندما يجعلنا نخلط بين الأناقة والبراءة، بين الشهرة والاستحقاق، بين النفوذ والقيمة، وبين الجمال والحقيقة.
ربما لم تعد صورة الشيطان في سقف سان جيوفاني كافية لوصف عالمنا.
شياطين اليوم لا تسكن بالضرورة باطن الأرض، ولا تحتاج إلى وجوه متوحّشة.
بعضها يسكن أغلفة المجلات، وقصور الحكم، وحفلات النخبة، واستوديوهات الضوء.
بعضها يبتسم لنا عبر الشاشات، ويصافح الضحايا أمام الكاميرات، ويتحدّث بلغة ناعمة عن الخير.
الشرّ لا يرتدي" برادا" دائماً، لكنه تعلّم أن يرتدي ما يجعلنا نثق به.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك