دخلت دولة الإمارات مرحلة حاسمة في مسارها الاقتصادي، حيث يعاد تعريف قطاع الطاقة ليتحول من مصدر تمويل للميزانية إلى أداة جيو-اقتصادية فاعلة.
ويأتي هذا التحول مع تسارع حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية، لتبني أبوظبي رؤية براغماتية تجمع بين تعظيم العائد من الهيدروكربونات وقيادة الابتكار في الطاقة النظيفة.
تسارع الإمارات خطوات رفع طاقتها الإنتاجية إلى 4.
85 مليون برميل يومياً بنهاية 2026، مع استهداف 5 ملايين برميل يومياً بحلول 2027.
وتستند هذه الزيادة إلى استثمارات رأسمالية بلغت 550.
8 مليار درهم" 150 مليار دولار" خلال العقد الماضي لتطوير الحقول واستخدام تقنيات متقدمة ترفع كمية النفط المستخرج من نفس الآبار.
ومع التزام الدول الصناعية الكبرى بصافي صفر كربون بحلول 2050، تضيق" نافذة الطلب" على النفط تدريجياً.
لذا ترى أبوظبي أن تجميد الطاقة الفائضة يعني خسارة فرصة تسييل أصول بتكلفة فرصة بديلة تقدر بمليارات سنوياً.
هذا ما يفسر تبنيها" مبدأ الإنتاج الأقصى والمسؤول" الذي يمنحها مرونة فورية للاستجابة لصدمات العرض ويضمن تدفقات مالية مستقرة قصيرة ومتوسطة المدى.
لم تقتصر الاستقلالية على الحجم، بل امتدت إلى التسعير عبر اعتماد خام" مربان" كمعيار تسعير مستقل عبر التداول في بورصة أبوظبي ICE Futures Abu Dhabi منذ 2021، حيث انتقلت الإمارات من متلقي للأسعار إلى صانع لها.
ويتم اليوم تداول أكثر من 80% من شحنات مربان عبر العقود الآجلة، ما يمنح المشترين الآسيويين أداة تحوط شفافة بعيداً عن آليات التسعير الحكومية التقليدية، ويضع الخام الإماراتي في مصاف برنت وغرب تكساس.
الصادرات وحزام أمان لوجستيتتجه 85% من صادرات النفط الإماراتية نحو آسيا، حيث تستحوذ الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية على الحصة الأكبر، ويحول هذا التمركز العلاقة من تجارة سلعية إلى تحالف جيو-اقتصادي، فالإمارات تؤمن الطاقة، والآسيويون يضخون استثمارات وتكنولوجيا.
وللتحوط ضد مخاطر مضيق هرمز الذي يمر عبره 20% من تجارة النفط العالمية، فعّلت الإمارات خط أنابيب حبشان-الفجيرة بطاقة 1.
5 مليون برميل يومياً، حيث يلتف الخط على المضيق وينقل الخام مباشرة لبحر العرب، ما يرسخ مكانة الفجيرة كثالث أكبر مركز لتخزين وتزويد السفن بالوقود عالمياً بعد سنغافورة وروتردام، بسعة تخزين تتجاوز 10 ملايين متر مكعب.
وتبرز الهند كشريك هيكلي، فقد وقّعت أدنوك اتفاقاً مع" الاحتياطيات البترولية الاستراتيجية الهندية" ISPRL لتوسيع سعة التخزين الإماراتية في الهند إلى 30 مليون برميل، موزعة بين منشآت مانغالور الحالية ومشاريع فيساخاباتنام وشانديكول الجديدة.
ولأول مرة، تدرس الهند" التخزين العكسي" في الفجيرة لصالح احتياطيها الاستراتيجي، ما يخلق تحوطاً متبادلاً ضد إغلاق المضائق.
تكاملت الشراكة بعقود توريد غاز بترول مسال طويلة الأجل عبر أدنوك للتجارة العالمية مع شركة النفط الهندية، ما يحول الإمارات من بائع عادي إلى شريك في الأمن الصناعي الهندي.
وفي خطوة تستهدف تجاوز الاعتماد على الوقود الأحفوري إلى بناء دبلوماسية" الطاقة الخضراء"، فقد استغلت الإمارات إشعاعها الشمسي القياسي في محطة" الظفرة" ومجمع" محمد بن راشد آل مكتوم" لخفض تكلفة الكهرباء الشمسية إلى 1.
35 سنت للكيلواط/ساعة - من أقل الأسعار عالمياً.
وتستهدف أبوظبي تصدير الهيدروجين والأمونيا النظيفة إلى اليابان والاتحاد الأوروبي، اللذين يسعيان لتأمين 10 ملايين طن هيدروجين سنوياً بحلول 2030.
وتقود" مصدر" هذا التوسع باستثمارات في أكثر من 40 دولة، أبرزها شراكة بـ2.
2 مليار دولار مع" توتال للطاقة" لتطوير 9 غيغاواط طاقة متجددة في 9 دول آسيوية، وإنشاء محطة الطاقة الشمسية العائمة الأكبر في سد جاتيجيدي بإندونيسيا بقدرة 145 ميغاواط.
ويتكامل هذا مع" الشراكة الإماراتية الأمريكية للطاقة النظيفة" PCES التي تستهدف ضخ 100 مليار دولار استثمارات في مشاريع طاقة نظيفة بالولايات المتحدة والعالم بحلول 2035.
النفط يمول اقتصاد المعرفة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك