هناك أشخاص يمرون فى حياتنا ويتركون أثرًا طيبًا لا يحتاج إلى شرح طويل أو كلمات كثيرة.
يكفى أن يُذكر اسمهم حتى تعود إلى الذاكرة ابتسامة، وموقف، وكلمة صادقة قيلت فى وقتها المناسب، وكان الزميل العزيز أحمد عادل واحدًا من هؤلاء.
داخل" اليوم السابع"، عرفه الجميع بوجهه البشوش، وروحه الخفيفة، وأخلاقه الرفيعة.
لم يكن صوته عاليًا، ولا حضوره لافتًا بشكل مفتعل، لكنه كان حاضرًا دائمًا بالود والاحترام والإنسانية.
زميل قريب من الجميع، يسأل، يطمئن، ويلاحظ ما قد لا ينتبه إليه الآخرون وسط ضغط العمل اليومى.
لم يكن يمر على أحد يراه مهمومًا إلا ويحاول أن يخفف عنه بكلمة طيبة أو دعابة خفيفة أو نصيحة صادقة.
كان بسيطًا فى كل شىء، لكنه عميق الأثر فى قلوب من عرفوه.
فى عيد الأضحى، كان آخر لقاء جمعنى به داخل صالة تحرير" اليوم السابع".
جاء نحوى مبتسمًا كعادته وقال: " أنا زعلان منك"، فسألته متعجبة: " ليه؟ "، فقال إنه رآنى قبل أيام منزعجة ومشغولة، وحاول أن يمازحنى ويخفف عنى، لكننى لم أكن منتبهة له.
ثم قال لى بهدوئه المعتاد: " ما تخليش حاجة تعكنن عليكى.
افصلى شوية من الضغوط".
أخبرته أننى سأحصل على إجازة بعد العيد لأحاول أن أستعيد هدوئى، فابتسم بحماس وقال وكأنه يخطط لفرح بسيط: " اخرجى إنتِ وبنتك.
اتمشوا فى الشوارع.
شموا الهوا.
اسمعوا أغانى.
اضحكوا.
هزروا.
عيشوا.
مفيش حاجة تستاهل تضغطى على نفسك للدرجة دى".
كانت كلمات بسيطة، لكنها خرجت من قلب إنسان كان يؤمن أن الحياة لا يجب أن تُستهلك فى القلق وحده، وأن الفرح حق طبيعى مهما كثرت المسؤوليات.
وعندما أخبرته أننى سأفعل ما قاله، ابتسم وأضاف: " هاتيجى بعد ما تخلصى الإجازة تحكيلى عملتوا إيه".
انتهى الحديث عند هذا الحد.
كنت أنتظر أن تنتهى الإجازة، وأعود إلى الجريدة، وأجلس أمامه كما وعدته، أحكى له ما فعلناه، وأخبره أننى بالفعل نفذت نصيحته، لكن قبل أن تنتهى الإجازة جاء الخبر الذى لم أكن مستعدة له.
رحل أحمد عادل قبل أن يسمع الحكاية.
رحل قبل أن تتحول تلك الجملة البسيطة إلى لقاء جديد.
ورحل قبل أن يعرف أن كلماته لم تكن مجرد نصيحة عابرة، بل كانت شيئًا حقيقيًا غيّر يومًا كاملًا.
لم يكن أحمد مجرد زميل فى العمل، بل كان إنسانًا يترك أثره فى التفاصيل الصغيرة.
حضوره كان يخفف من ثقل الأيام، وابتسامته كانت كافية لتغيير مزاج مكان كامل.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يحبه الجميع داخل" اليوم السابع"، وأن يترك فراغًا واضحًا فى المكان الذى اعتاد أن يكون فيه.
وعلى المستوى الإنسانى، كان أحمد مثالًا للرجل الهادئ الخلوق، وهى الصفات نفسها التى عُرفت بها زوجته الزميلة العزيزة إيناس البنا، التى كانت قريبة منه فى الطباع والهدوء والاحترام، ويشهد لهما كل من تعامل معهما بحسن الخلق والتقدير.
اليوم لا نرثى زميلًا فقط، بل نودع إنسانًا حقيقيًا، وصديقًا صادقًا، ووجهًا بشوشًا كان يخفف عن الآخرين أكثر مما يطلب لنفسه.
رحم الله أحمد عادل رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته الكريمة وزوجته الزميلة إيناس البنا الصبر والسلوان.
ويبقى صوته فى الذاكرة كما كان دائمًا، بسيطًا وصادقًا:" اخرجوا.
اضحكوا.
عيشوا.
مفيش حاجة تستاهل".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك