فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر مجموعة من البيانات والخطابات السياسية، يمكن وصفها بالفارقة أو المفصلية فى مصير أمة شاء لها قدرها أن تكون محط اهتمام العالم من حولها، أول هذه الخطابات تلك التى ألقاها زعيم الأمة مصطفى النحاس، رئيس الوزراء المصرى، أمام البرلمان فى الثامن من أكتوبر 1951، وأعلن فيها إلغاء معاهدة 1936، التى كانت مصر قد أبرمتها مع المحتل الإنجليزى، وبموجب هذا الإلغاء بدأت مرحلة الكفاح المسلح ضد القوات البريطانية فى منطقة قناة السويس بكل تداعياتها، والتى كانت المقدمة الفعلية لقيام ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952، وفى صباح يوم الثورة شهد ستوديو الهواء بمبنى الإذاعة القديم بالشريفين قيام البكباشى محمد أنور السادات بتلاوة بيان حركة الضباط الأحرار، الذى صاغه الضابط جمال حماد، وأعلن من خلاله تطهير أنفسهم داخل الجيش، وتولى أمرهم رجال يثقون بهم، إيذاناً بإعلان قيام الثورة المصرية التى غيرت وجه مصر والمنطقة العربية بل والعالم أجمع، فى زمن الحرب الباردة بين القوتين الناشئتين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى، ونهاية عصر الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية على أعتاب مدينة بور سعيد فى حرب السويس سنة 1956، وهذا يقودنا إلى الخطاب المصيرى الثالث فى تاريخ مصر المعاصر، وهو خطاب الرئيس عبدالناصر بالمنشية فى الإسكندرية، مساء السادس والعشرين من يوليو 1956، الذى أعلن فيه قرار رئيس الجمهورية بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس شركة مساهمة مصرية، وما تلا ذلك من أحداث قادت البلاد إلى حرب العدوان الثلاثى وانتصار مصر سياسياً على كل الطامعين.
وإذا كانت فترة حكم الرئيس عبدالناصر قد شهدت كثيراً من خطابات الزهو القومى والفحولة السياسية، فإنها شهدت أيضاً واحداً من أقصرها وأشدها على النفس، لم يكن ما ألقاه عبدالناصر فى مساء التاسع من يونيو 1967 خطاباً بالمعنى المعروف، وإنما كان عبارة عن كلمة، اعترف فيها رئيس الدولة لأول مرة بالهزيمة التى أسماها بالنكسة، بناء على نصيحة صديقه المقرب محمد حسنين هيكل، مصحوبة بقراره المفاجئ بالتنحى تماماً ونهائياً عن أى منصب سياسى وعودته إلى صفوف الجماهير، وهو القرار الذى لم يصمد طويلاً أمام تدافع الناس فى الشوارع رفضاً للهزيمة وللتنحى على السواء.
وتنتهى فترة حكم عبدالناصر بكلمة قصيرة ألقاها نائب الرئيس أنور السادات، مساء الثامن والعشرين من سبتمبر 1970، يعلن فيها للأمة وفاة عبدالناصر بعد أن داهمته أزمة قلبية عقب وداعه لآخر القادة العرب الذين حضروا القمة العربية بالقاهرة، والتى خصصت للتباحث فى أمر مذبحة أيلول الأسود والأحداث الدامية التى شهدتها الأردن تجاه المقاتلين الفلسطينيين، لتبدأ بوفاة الزعيم مرحلة مهمة أخرى فى تاريخ مصر المعاصر.
وفى تقديرى فإن هناك خطابين شديدى الأهمية فى فترة حكم الرئيس السادات، أولهما خطاب النصر أمام مجلس الشعب فى السادس عشر من أكتوبر 1973، الذى رفع فيه السادات رأس مصر والأمة العربية كلها، بعد أن استعادت القوات المسلحة للمواطن العربى هيبته واستردت له كرامته بعد هزيمة 1967، أما الثانى فهو خطاب السلام الشهير فى التاسع عشر من نوفمبر 1977 أمام الكنيست الإسرائيلى حين قال لهم السادات ومن عقر دارهم أنه لا سلام ولا تعايش حقيقى إلا بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضى العربية المحتلة، وحصول الشعب الفلسطينى على كامل حقوقه المشروعة، وفى مقدمتها قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، وهو الخطاب الذى قاد مصر إلى معاهدة السلام واستعادة سيناء كاملة، وبدء مرحلة البناء والتعمير.
ولم يكن الرئيس مبارك أثناء فترة رئاسته من هواة التحولات الفجائية أو الدراماتيكية، ومن ثم لا تجد أثناء الأعوام الثلاثين التى قضاها فى الحكم ما يمكن اعتباره خطاباً فارقاً أو مفصلياً، لكن الحادى عشر من فبراير 2011 شهد كلمة قصيرة ألقاها نائب الرئيس السيد عمر سليمان يعلن من خلالها قرار مبارك بتخليه عن السلطة وتولى المجلس الأعلى للقوات المسحة إدارة شئون البلاد، لتدخل مصر طوال السنتين التاليتين واحدة من أكثر فتراتها السياسية اضطراباً حتى كانت ثورة الثلاثين من يونيو 2013.
ولا يزال الجيل الحالى يتذكر جيداً كيف انقشعت الغمة عصر الثالث من يوليو 2013، حين أعلن الفريق أول عبدالفتاح السيسى وزير الدفاع، فى حضور كافة رموز الدولة، خارطة الطريق التى خلصت مصر من حكم الإخوان وقادت البلاد إلى سنوات الأمان والاستقرار.
وإذا سألتنى عن أكثر الخطابات التسعة جرأة فإننى أختار خطاب الرئيس السادات فى الكنيست، لأن الزيارة برمتها وفى قلبها الخطاب الشهير، كانت من الممكن أن تؤدى بمصر وبالمنطقة وبالسادات إلى مصير مجهول لو مارس الإسرائيليون هوايتهم فى الغدر والخيانة، وأكثرها شجاعة وصلابة كانت كلمة الفريق أول عبدالفتاح السيسى فى يوليو 2013، التى أزاحت الإخوان من الحكم فى وقت كانوا فيه يسيطرون على مفاصل الدولة بأسرها، أما أشدها حزناً ومرارة فهو خطاب التنحى فى التاسع من يونيو 1967، لأنه جاء من رحم الهزيمة والإحساس بالانكسار، ولا أدرى لماذا أتذكر دائماً كلمة عبدالناصر إلى الأمة كلما حلت ذكرى الخامس من يونيو، رغم أن الجيش المصرى البطل قد أزال آثار هذه المناسبة الحزينة بفعل انتصار أكتوبر المجيد سنة 1973.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك