ترجمة: علاء الدين أبو زينةالمراسل العسكري – (ذا كرادل) 10/5/2026بين الدروس القاسية المستخلصة من حرب العام 2024 وتجدُّد المواجهة في العام 2026، سارع كل من" حزب الله" وإسرائيل إلى التكيّف -أحدهما بالعمل تحت النار؛ والآخر بإجراء تدريبات ومحاكاة لحرب أوسع متعددة الجبهات.
اضافة اعلانيمكن وصف التفكير العسكري لدى" حزب الله" بأنه متعدد الطبقات، تراكمي، وصعب الاختراق.
ولا يمكن لأي باحث أكاديمي، ولا حتى لأي محلل استخباراتي، أن يدّعي بشكل موثوق أنه ألمّ بجميع عناصره، أو حلّلها كاملة، أو فهم الكيفية التي تتفاعل بها معاً.
وينعكس هذا التعقيد نفسه أيضاً على الطريقة التي يتعلم بها الحزب من تجاربه ويستخلص الدروس.
لكن ثمة ميزة إضافية لـ" حزب الله"، هي قدرته على التكيف السريع.
ولعل الدليل الأوضح على ذلك هو التغير الذي طرأ على طريقة أدائه الأمني والعسكري بين حربين لا يفصل بينهما سوى 15 شهراً فقط -وهي فترة ظل الحزب خلالها تحت نيران مستمرة.
فرضت حرب العام 2024 على" حزب الله" إجراء مراجعة مؤلمة لطريقة قتاله، وانتشاره، ومدى قدرة هيكل قيادته على الصمود عندما تكون الضربات الافتتاحية عنيفة وسريعة.
ولم يتم استخلاص هذه الدروس في قاعات الندوات، وإنما أنتجتها خبرة مقاتلين وقادة عاشوا المعركة السابقة، واستوعبوا خسائرها، ثم وجدوا أنفسهم وهم يستعدون لخوض المعركة التالية حتى قبل أن يتبدد الدخان.
يستند هذا التقرير إلى مقابلات أُجريت على مدى عام تقريباً بعد حرب العام 2024 مع مسؤولين أمنيين وعسكريين في" حزب الله".
ويقول هؤلاء المسؤولون إنه لا يمكن تقديم أي توثيق بصري أو صوتي بسبب" الدروس الأمنية القاسية" الأخيرة.
وفي الوقت نفسه، كانت إسرائيل تجري مراجعتها الخاصة، مستغلة الأشهر الأخيرة قبل المواجهة المتجددة لإجراء تدريبات على خوض حرب طويلة متعددة الجبهات، والتي كان" حزب الله" وإيران يراقبانها عن كثب.
في التصور التخطيطي لتل أبيب، تُقسَّم ساحة المعركة في جنوب لبنان إلى قطاعين: شرقي وغربي.
ويتم نشر الفرق العسكرية وفقاً لهذه القسمة بناءً على نوع القوة المطلوبة في كل قطاع، وعلى مسارات الدخول شبه الإلزامية التي تفرضها طبيعة الأرض -وهي المسارات التي شكّلت ساحة القتال منذ العام 1978.
لكنّ" حزب الله" يقسّم الجنوب بشكل مختلف، إلى ثلاثة قطاعات: غربي، ومتوسط، وشرقي.
وتتوزع المسؤولية بين" وحدة النصر" التي تتولى القطاعين الشرقي والأوسط جنوب نهر الليطاني، و" وحدة العزيز" التي تغطي القطاع الغربي.
وهناك" وحدة بدر"، التي عاد الحديث عنها بكثافة في التعليقات الإسرائيلية خلال مواجهة العام 2026، والتي تتولى المسؤولية عن المنطقة شمال الليطاني.
كانت" قوات الرضوان" من أبرز مخاوف إسرائيل في الحرب السابقة، حيث طالبت بدفعها إلى شمال الليطاني.
وقد عادت هذه القوات إلى النقاش الإسرائيلي في الحرب الحالية، مع ادعاءات في أوائل آذار (مارس) بأن نحو 1000 مقاتل كانوا ينشطون فيها.
لكن" الرضوان" ليست مرتبطة بإقليم ثابت؛ وهي قوة نخبوية يمكن إعادة نشرها وفق احتياجات كل معركة.
يعود رقم الألف مقاتل من" قوات الرضوان"، الذي تذكره إسرائيل، إلى ادعائها بأن 2500 عنصر من الوحدة ظلوا قادرين على القتال بعد حرب العام 2024 من أصل قوة كان قوامها 5000 أصيب معظمهم في هجمات أجهزة النداء (البيجر) واللاسلكي في أيلول (سبتمبر) من ذلك العام.
وبحسب الرواية الإسرائيلية نفسها، فإن 1500 مقاتل آخر من" الرضوان" لم يدخلوا ساحة المعركة بعد.
ولا يعلّق" حزب الله" على هذه الأرقام، لا علناً ولا في اللقاءات الخاصة التي أُجريت لأغراض إعداد هذا المقال والسلسلة التي ينتمي إليها.
لكنّ ما يلفت الانتباه في النقاشات بشأن الأعداد هو ملاحظة متكررة أدلى بها عدد من قادة التخطيط في الحزب -بمن فيهم العاملون على ملفات المعلومات- وكذلك قادة ميدانيون قاتلوا في حرب العام 2006 وفي سورية وجبهة" الإسناد"، وفي معركة العام 2024 المسماة" أولو البأس".
ويُجمع هؤلاء على أن العدد الكبير من المقاتلين الذين وُضعوا في حالة استنفار على طول الجبهة في العام 2024 كان في بعض الأحيان يعوق العمليات ويسهم في وقوع خسائر وارتقاء شهداء.
ويقول أحد قادة التخطيط لـ" ذا كرادل":" هناك منطقة لا تتسع إلا، قُل، لثمانية إخوة للدفاع… وأي أخ إضافي يكون عملياً شهيداً أو جريحاً.
في ’أولي البأس‘، كان هناك اندفاع كبير على عدة جبهات لم يكن يمكن السيطرة عليه، وهذا ما زاد عدد الشهداء".
ويضيف قائد ميداني، موضحاً المشكلة بطريقة أكثر مباشرة: " خلال جولاتي في الجبهة، كنت أرى أعداداً زائدة من المقاتلين، حتى أنه لم تكن هناك أشجار كافية للاختباء تحتها… الدّرس المستفاد يكمن في دراسة المكان، وفهم الحاجة البشرية، وخطوط الحركة، وإمكانية التمويه".
وعلى النقيض من ذلك، فإن ما يبرز في هذه الحرب بهذا الشأن -في الرواية الإسرائيلية على الأقل- هو الحديث المتكرر عن مجموعات أصغر، غالباً لا يتجاوز عدد كل منها خمسة أو ستة مقاتلين -وأحياناً ثلاثة أو أربعة فقط- في نقاط التماس الأمامية، خصوصاً في الكمائن.
وهو ما يشير إلى أن الدرس قد جرى استيعابه.
وفي روايات" حزب الله" الخاصة، يشار إلى أن خطوط الإمداد وتناوب المقاتلين تحسّنت أيضاً وعملت بفاعلية أكبر في حرب 2026.
عاد العديد من القرى والبلدات التي كانت قد شهدت اشتباكات عنيفة في العام 2024 لتكون ساحات قتال في العام 2026، على الرغم من أن بعض الأسماء غابت بسبب الدمار الهائل الذي ألحقته إسرائيل ببلدات الجنوب خلال الأشهر الخمسة عشر من اتفاق وقف إطلاق النار السابق.
كانت بلدة العديسة، وهي نقطة مواجهة في الخط الأول، قد شهدت اشتباكات عنيفة في الحرب السابقة، لكنها لم تكن مركزاً في الحرب الحالية؛ بينما كانت بلدة الخيام محورية في كلتا الحربين.
وشهدت بلدتا الطيبة ورُب ثلاثين في القطاع الشرقي اشتباكات متوسطة الشدة في العام 2024، لكنهما أصبحتا جبهات أكثر سخونة هذه المرة.
كما برزت بلدات بيت ليف، وبنت جبيل الأسطورية، وعيناتا، وغيرها بشكل أوضح في الجولة الحالية من القتال.
مع ذلك، في كلتا الحربين عمل" حزب الله" على ضمان بقاء المواجهة قائمة على طول المحاور الرئيسية وداخل قرى وبلدات محددة -حتى لو كان ذلك يجري فقط لعرقلة العدو، لأسباب رمزية وعملياتية في آن واحد.
وظلت البياضة، ومقام شمعا، ومثلث رامية–قوزح–عيتا الشعب في القطاع الغربي نشطة، وكذلك يارون ومارون الراس في القطاع الأوسط، وحولا ومركبا في الشرق.
وبحسب القائد الميداني السابق، فقد تقرر أن تُدار كل منطقة على أساس أن" الإخوة سيؤدون واجبهم هناك حتى آخر نفس"، أو الانسحاب منها، اعتماداً على تغطية نارية من المستويين الثاني والثالث في الاشتباك، باستخدام أدوات جديدة.
" بعبارة أخرى، أي نقطة يجري إفراغها من المقاومة لن تكون بالضرورة خالية من المقاومة، لأن هناك عدة وسائل للتعامل مع الجيش الإسرائيلي هناك".
وقد ترك القرار -سواء قرار البقاء حتى آخر نفس، أو تنفيذ ضربات ثم الانسحاب، أو الانتقال إلى موقع أو منشأة أخرى- للمقاتلين على الأرض ليتخذوه بشكل مستقل وشخصي.
بسبب الضربات القاسية التي تلقاها الحزب في بداية الحرب -أجهزة النداء واغتيال القادة- إلى جانب مناخ الشك الأمني الذي أحاط بكل الأجهزة، وتعطل أجزاء من سلسلة القيادة، ووجود ثغرات في عدد من المهام، لم تعمل الخطة الدفاعية بشكل جيد خلال الشهر الأول من المواجهة التي استمرت 66 يوماً.
وفي الشهر الثاني، أصبح النمط أكثر وضوحاً.
بدأت خسائر" حزب الله" بالانخفاض، بينما ازدادت الخسائر في صفوف الجنود والمركبات الإسرائيلية بدقة وفعالية أكبر.
ولهذا السبب، وكما كشفت الأحاديث التي أجرتها" ذا كرادل" مع الكوادر، هناك حالة من الإحباط بشأن توقيت اتفاق وقف إطلاق النار وما تلاه ميدانياً.
يقول أحد قادة الحزب: " مع التزامنا الكامل بمهمتنا، جاء وقف إطلاق النار في وقت كنا قد بدأنا فيه بمجاراة الجبهة ومتطلباتها… ويعرف أي شخص يعمل في المجال العسكري مدى صعوبة التوقف عندما يستعيد المقاتل زمام المبادرة.
حتى استخدامنا للصواريخ النوعية كان خاضعاً للقرار التنظيمي، وليس للتقدير الشخصي".
وبالاستناد إلى التفاصيل التي جُمعت من هذه المصادر، يمكن تقسيم المواجهة في الحرب السابقة إلى مرحلتين.
خلال الشهر الأول، وفي قرى الخط الأول، كانت هناك اشتباكات فردية مع قوات الاحتلال، أو اشتباكات شاركت فيها مجموعات بقيت ثابتة في مواقعها.
لكن تنفيذ خطة دفاعية متكاملة كان صعباً.
وقد غلب الارتجال الميداني، خصوصاً بسبب انقطاع الاتصال مع عدد كبير من المقاتلين.
وفي قرى الخطين الثاني والثالث، كان استخدام النيران المضادة للدروع صعباً بسبب النشاط المكثف للطائرات المسيّرة والطائرات الحربية، وغياب الدفاعات الجوية والبحرية لدى" حزب الله"، بالإضافة إلى قيام إسرائيل بقصف استباقي متعمد لأي تلة مشرفة على ساحة المعركة، حتى لو لم تكن مستخدمة، بهدف حرمان المقاومة من أي إمكانية للاستفادة منها.
باختصار، لم يوفّر الشهر الأول إمكانية لإرساء نمط دفاعي واضح، سواء على المستوى العسكري أو الأمني.
وقد شهدت أشهر" جبهة إسناد" خلال عملية" طوفان الأقصى" بالفعل جهوداً إسرائيلية منهجية لمنع" حزب الله" من تشكيل أي نمط عملياتي دفاعي ثابت.
ثم في الشهر الثاني تصاعدت الاشتباكات في قرى الخط الأول وفق مبدأ" ملاقاة" العدو.
ولم يكن ذلك يعني بالضرورة التمسك بالقرى والبلدات بشكل ثابت، وإنما كان المقاتلون ينسحبون أو يتحصنون داخل منشأة ما، ثم يعودون للقتال بعد القصف الكثيف.
كان هذا النمط في أغلبه أقرب إلى عمليات على طريقة الاستشهاد.
وقد تكثف هذا النمط في القطاع الغربي بينما كانت" ملاقاة" العدو أكثر صعوبة في القطاعين الشرقي والأوسط بسبب انكشاف التضاريس وقلة الوسائل.
لكن الذي نجا من القصف كان يواصل الاشتباك عند اقتراب قوات العدو.
أما في قرى الخطين الثاني والثالث، فقد تحسّن أداء فرق الـ" كورنيت" و" الماس" بشكل ملحوظ، خصوصاً في القطاع الغربي -مثل بلدات بلَط وزبقين ومناطق أخرى- حيث سمحت الرؤية الأفضل وسهولة الإطلاق باستهداف عدد أكبر من الدبابات.
كان المقاتلون يخرجون على حين غرة من مناطق غير مسجلة في الخطة الدفاعية الأصلية، كإجراء أمني إضافي، ثم ينسحبون بسرعة.
وقد أثبت هذا التكتيك المطوَّر فعاليته.
وترفض المصادر من الحزب نشر اسم القوة التي نفذته.
وبحلول الشهر الثاني، كان دعم النيران من شمال الليطاني قد ازداد أيضاً وتنوَّع، متسبباً في وقوع خسائر إسرائيلية كبيرة لم يتم الإعلان عن الكثير منها.
الأرض المحروقة الخاصة بالمقاومةتضمنت المرحلة الأخيرة من الحرب السابقة تفاصيل يتم الكشف عنها الآن للمرة الأولى، سواء من حيث طبيعتها أو حجمها.
وقد ظهرت آثارها بسرعة في الحرب الحالية بعد إدخال تحسينات إضافية وتطوير تقنيات جديدة.
عندما جعل نهج إسرائيل القائم على" الأرض المحروقة" المواجهة المباشرة مستحيلة في العديد من المواقع قبل أي توغل، بدأ" حزب الله" بتطوير نسخته الخاصة ضمن حدود قدراته.
بالتوازي مع الاستطلاع الذي كان المقاتلون على الأرض ممن ما يزالون قادرين على الوصول إلى القيادة يزوّدونها به، بدأ" حزب الله" باستخدام ضرباته نفسها لجمع معلومات استخبارية حيّة عن ساحة المعركة.
كانت كل ضربة تتحول إلى وسيلة لتحديد المركبات القريبة، وفرق الإنقاذ، والقوات المعاد انتشارها، أو المواقع الجديدة -ثم استهدافها مجدداً.
وقد أنتج ذلك ما تصفه المصادر بأنه أسلوب مركّب من العمل يُعرف بـ" الاستطلاع الموازي".
وعلى سبيل المثال، عندما يتم إطلاق طائرة مسيّرة هجومية على مركبات، فإن الصور التي تلتقطها تكون حيّة وليست مسجلة، ويمكن التشويش عليها -أو عندما يُطلق صاروخ" الماس"، مع بث حي وإمكانية تسجيل لأنه يُدار عن طريق الألياف البصرية، فإن تلك الطائرة أو ذلك الصاروخ ينقل صورة حيّة للموقع الأوسع أو للمركبات المجاورة.
وفي اللحظة نفسها، يجري تمرير الإحداثيات إلى وحدات المدفعية والصواريخ شمال النهر: موقع آخر، مركبات قريبة، قوات إنقاذ، أو جنود يعيدون الانتشار.
ولا تحتاج هذه الوحدات سوى دقائق لإدخال الإحداثيات واستهداف تلك القوات مجدداً.
ولتنفيذ ذلك، استخدم" حزب الله" نمطاً من مرحلتين.
كانت الضربة الأولى تُنفَّذ بطائرة مسيّرة هجومية برأس حربي وزنه بين 10 و35 كغم، أو بصاروخ" الماس" برأس حربي وزنه بين 7 و15 كغم، أو بصاروخ" كورنيت" بمدى يتراوح بين 4 و10 كلم.
وكانت مهمتها توجيه الضربة الأولى، وإيقاع خسائر، وجلب إحداثيات جديدة.
أما الضربة الثانية فكانت تُنفَّذ بمدفعية من عيارات مختلفة -81 و105 و120 و130 ملم، بحسب المدى المطلوب- أو بصواريخ 107 ملم، أو صواريخ كاتيوشا الصغيرة أو" فجر-1" بمدى 12 كلم، أو صواريخ غراد 122 ملم بمدى 20–40 كلم، أو غراد مطوّرة برؤوس حربية تشتّت الشظايا قبل الاصطدام، أو صواريخ أكثر تطوراً مثل" فجر-5" و" ملك-1 و2" أو" فادي-1 و2".
وكان هدفها تنفيذ الضربة الثانية، ثم تكرار الدورة.
وهكذا، إذا لم تُسفر الضربة الأولى عن خسائر مؤكدة، فإن الثانية تكون مصممة لتحقيق ذلك.
وحتى عندما لا تُحقق أي منهما نتائج حاسمة، فإن القوة التي تتعرض للهجوم ترتبك، ويتراجع زخم التقدم، ويكسب المقاتلون على خطوط التماس الفرصة اللازمة للانتقال أو تنفيذ ضربات إضافية.
في الأسابيع الأخيرة من الحرب، استخدم" حزب الله" نمط" الضربة الثانية/ الضربات اللاحقة" بطرق لم تتوقعها إسرائيل، وأصبحت لاحقاً هي الحل المتوقع.
وعلى سبيل المثال، استخدم الحزب صواريخ كروز ضد القوات المتقدمة نحو بلدة يارون؛ وصواريخ" نصر-1" و" نصر-2" ضد القوات في ميس الجبل؛ وصواريخ" فادي-1" و" فادي-2"، وكذلك صواريخ" نور" و" قادر-1 و2" الباليستية ضد القوات في الخيام.
وبحسب رواية غرفة عمليات، سجّل" حزب الله" سقوط 150 جندياً إسرائيلياً بين قتيل وجريح في ضربة واحدة على بلدة الخيام.
لكنّ البث الحي أظهر أن العديد من الوجوه كانت" آسيوية"، وهو ما قاد إلى تقدير بأنها وجوه لمرتزقة كان قد جرى رصدهم سابقاً خلال مواجهة العام 2023 حول خيام الاستطلاع التابعة لـ" حزب الله" قرب مزارع شبعا المحتلة.
من الناحية الرقمية، سجّل" حزب الله" مئات العمليات من هذا النوع، مع تأكيد إصابة أكثر من 66 دبابة ومركبة بحلول نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، بالإضافة إلى عشرات التجمعات العسكرية في مناطق مفتوحة أو داخل منازل، حيث استُخدم نوع خاص من صواريخ" كورنيت".
في ذلك الوقت، كان الحصاد العملياتي الرسمي لـ" حزب الله" من 17 أيلول (سبتمبر) إلى 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 هو 1666 عملية عسكرية، شملت 1285 هجوماً صاروخياً، و93 قصفاً مدفعياً، و166 هجوماً بطائرات مسيّرة، و86 هجوماً بصواريخ موجهة باستخدام" كورنيت" وأنظمة مشابهة.
وفي ما يتعلق بإطلاق الصواريخ من جنوب النهر حتى نهاية الحرب، يقول أحد المقاتلين لـ" ذا كرادل": " أُتيحت لي فرصة تغيير موقع القاذف مع كل ضربة، لكننا قررنا رفع التحدي إلى أعلى مستوى.
كنا نطلق من النقطة نفسها ثلاث أو أربع مرات على الرغم من القصف الجوي المتكرر عليها.
كنا نعمل بنمط يجعل الاحتلال يشعر حرفياً بالتعب والسأم من هذه الحرب… كان علينا أن نجعله يشعر أنه يكرر المهمة نفسها أكثر من مرة من دون نتيجة".
كانت النتيجة الميدانية أن أي موقع للجيش الإسرائيلي -أو أي شيء يشبه قاعدة شبه دائمة- أصبح هدفاً مباشراً و" منطقة خطر".
وهذا يفسّر عجز إسرائيل عن احتلال بعض القرى والبلدات حتى مع استشهاد كامل الحاميات الموجودة فيها، مثل العديسة.
كما يفسّر كيف تمكن" حزب الله" في الأسابيع الأخيرة من إدخال قوات دعم إلى أماكن مثل بلدة الخيام.
في المقابل، اتبعت إسرائيل تسلسلاً ثابتاً: الدخول بعد تمهيد ناري كثيف، ثم الدفع بوحدات الهندسة لتفخيخ المباني وهدمها، ثم التقاط صور دعائية، وبعدها الانسحاب بسرعة.
وإذا فشل الإسرائيليون في قتل مقاتلي المقاومة داخل الموقع، كانوا يستدعون الطيران بسرعة لقصف المبنى المقصود بالكامل.
ويعزو مقاتلو المقاومة سرعة تنفيذ هذه الضربات الجوية إلى أن كل قائد سرية إسرائيلي كانت لديه طائرة مسيّرة -مثل" هيرمس" على سبيل المثال- تحت إمرته المباشرة تحوم في السماء.
ولم يتكرر هذا النمط بالطريقة نفسها في الحرب الحالية بسبب المواجهة مع إيران، لكن" حزب الله" كان يمتلك أيضاً حلوله الخاصة به.
القتال، البطولة، والمفاجآتتم تسجيل حوادث لافتة في بلدات الخط الأول، والتي كانت خارج حسابات" العمليات".
في بلدة يارون، على سبيل المثال، فُقد الاتصال لأكثر من أسبوع مع مجموعتين من 13 مقاتلاً، وتم افتراض أنهم استشهدوا.
وبعد تسعة أيام من الصمت الكامل، أعلنت إسرائيل أن دبابتين أصيبتا بصواريخ مضادة للدروع في البلدة نفسها.
ثم عاد الاتصال لاحقاً مع بعض المقاتلين هناك، وأكدوا أنهم على قيد الحياة.
واستمروا في القتال لما يقرب من شهر قبل أن يُستشهدوا جميعاً.
كما تبيّن أن كثيرين ممن قُصفوا بالطائرات نجوا، على الرغم من أن بعضهم ظل محاصراً لأسابيع تحت الأنقاض أو داخل أنفاق صغيرة قرب المنازل.
وفي رُب ثلاثين، اكتشفت قوات الاحتلال منشأة تحت أرضية تمتد على طول كيلومترين، وقامت بإطلاق غاز سام داخلها، ثم قامت بتلغيمها وتفجيرها باستخدام روبوتات.
ثم فوجئ الجنود الإسرائيليون بخروج ستة مقاتلين كانوا قد تحصنوا في نهاية المنشأة.
واستُشهد ثلاثة في الاشتباك، بينما تمكن ثلاثة آخرون من الانسحاب.
وقامت قوات الاحتلال لاحقاً بتفجير المنشأة بالكامل، في ما يُعد تقريباً أكبر انفجار في الجنوب خلال حرب العام 2024، والذي يشبه انفجار القنطرة في حرب العام 2026.
كما وقعت مواجهة معروفة عند مقام شمعا، قُتل فيها باحث تاريخي-توراتي كان قد دخل المنطقة رفقة قوات الاحتلال.
ووفقاً للمصادر نفسها، لم يقتصر القتال على الشهيدين اللذين تسللا داخل الضريح؛ بل ثمة مقاتلون آخرون كانوا خارج الموقع وشاركوا في الاشتباك قبل أن ينسحبوا بأمان.
وفي مثلث قوزح–رامية–عيتا الشعب، نُصب كمين كبير بعبوات ناسفة استهدف مركبات إسرائيلية.
وعندما انسحبت بعض القوات جرى استهدافها بصواريخ" كورنيت".
ويقول بعض الذين قابلناهم من" حزب الله" أنهم شاهدوا المركبات الإسرائيلية وهي تحترق بالكامل، ثم أرسلوا الإحداثيات سريعاً إلى المدفعية قبل الانسحاب، ليتم بعد ذلك استهداف قوات الفرار والإنقاذ الإسرائيلية بعد ذلك بـ" سبع رشقات صاروخية متتالية"، مما أجبر الإسرائيليين على الانسحاب ليلاً عبر طرق أخرى باتجاه البياضة.
(يُتبع)*ذا كرادل The Cradle: منصة إعلامية وتحليلية رقمية تأسست في العام 2021، تركز بصورة أساسية على شؤون غرب آسيا (الشرق الأوسط) والجغرافيا السياسية الدولية.
تنشر تقارير إخبارية وتحليلات ومقالات رأي تتناول الصراعات الإقليمية والسياسات الأميركية والإسرائيلية وقضايا المقاومة والعلاقات الدولية، وتتبنى في الغالب مقاربة نقدية للسياسات الغربية وللنفوذ الأميركي في المنطقة.
ويضم الموقع كتاباً وصحفيين وباحثين من بلدان مختلفة، ويُعرف باهتمامه بالملفات الأمنية والعسكرية وبإفساح المجال لمنظورات نادراً ما تحظى بحضور واسع في وسائل الإعلام الغربية الرئيسية.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Hezbollah’s battlefield doctrine after the 2024 shock.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك