● شرارة أزمة «أولاد حارتنا» بدأت بخبر في «الجمهورية» عن تعريضها بالأنبياء● دافع عن الرواية الأستاذ محمد حسنين هيكل ولولاه لكان توقف نشرها في «الأهرام» فورًا● أزمة «أولاد حارتنا» تفجرت بعد نوبل بسبب التفسير الديني للرواية● نجيب محفوظ لم يترك رواياته لتأويلات متفرقة أو قراءات منفصلة عن سياقها، بل قدم بنفسه مفاتيح فهمها وشرح دوافع كتابتها● نجيب محفوظ: «أولاد حارتنا» حلم كبير بالعدالة.
ولم أتوقع أن تُقرأ بهذه الطريقة● نجيب محفوظ: «أولاد حارتنا» أكثر رواياتي إثارة للأزمات والجدل، وهذا الأمر لا يتفق مع حسن النية● اخترت أسماء الشخصيات موازية لأسماء الأنبياء وجعلت من المجتمع انعكاسًا للكون، وكنت أريد بذلك أن تكون القصة الكونية غطاء للمحليةتردد مؤخرًا على مواقع التواصل الاجتماعي كثير من الأحاديث حول الأديب نجيب محفوظ، وما نُقل بشأن كواليس نشر رواية «أولاد حارتنا» وموقف بعض رموز السلطة منها، وهو ما أعاد إلى الواجهة وقائع تعود إلى عقود مضت.
وبين الروايات والشهادات المختلفة، نعيد نشر ما سجله الأديب نجيب محفوظ بنفسه للكاتب والناقد رجاء النقاش في كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ»، الصادر عن دار الشروق متناولًا قصة «أولاد حارتنا» وما أحاط بها، وكذلك الملابسات التي ارتبطت بـ«ثرثرة فوق النيل» وغيرها من الروايات، في شهادة صاحبها التي تظل وثيقة مهمة في قراءة تلك المرحلة.
● كيف روى نجيب محفوظ القصة؟يخصص رجاء النقاش الفصل الحادي عشر من كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ»، والذي جاء بعنوان «أولاد حارتنا.
رواية وأزمة»، للحديث عن الرواية، ناقلًا شهادة الأديب الكبير حول هذه التجربة، فيكتب: لم تثر رواية من الجدل والخلاف مثلما أثارته رواية «أولاد حارتنا» التي كانت أول رواية يكتبها نجيب محفوظ بعد ثورة يوليو ١٩٥٢، وبسببها اتهم في دينه وعقيدته، وصدرت فتاوى متطرفة تبيح دمه.
وفي هذا الفصل يتحدث نجيب محفوظ عن وجهة نظره الحقيقية التي كتب على أساسها الرواية، وعن المتاعب التي تعرض لها، ويجيب صراحة عن هذا السؤال: هل حاولت الرواية الإساءة إلى شخصيات الأنبياء؟ !ليرد نجيب محفوظ: «أولاد حارتنا».
هي أول رواية أكتبها بعد قيام ثورة يوليو ١٩٥٢، وسبقتها خمس سنوات من الانقطاع التام عن الكتابة، وتحديدًا بين عامي ١٩٥٢ و ١٩٥٧، وهي من أشق الفترات التي عشتها في حياتي وأصعبها على نفسي.
والحقيقة أنني لم أعرف سببًا واضحًا لهذا الانقطاع، بعض الأصدقاء قالوا لي إنه نتيجة إجهاد حدث لي بعد كتابة «الثلاثية»، والتي استغرقت في كتابتها ٤ سنوات متصلة ابتداء من عام ١٩٤٨ وحتى ١٩٥٢.
ولكن ربما كان السبب هو أن قيام ثورة يوليو ١٩٥٢ قتل الرغبة عندي في الكتابة، فقد كنت أعتبر الهدف الرئيسي لكتاباتي هو نقد المجتمع المصري ودفعه للتغيير والتطور، وبعد قيام الثورة واتجاهها لتحقيق ما كنت أنادي به، كان السؤال الذي يلح عليّ: ما جدوى الكتابة حينئذ؟ ! الطريف أنه كان في مكتبي سبعة مشروعات لروايات كنت أنوي كتابتها، منها رواية اسمها «العتبة الخضراء».
وقد حكيت فكرتها لعبد الرحمن الشرقاوي فأعجبته جدًا، وقال لي يومها إنه تمنى أن يكتب في هذا الموضوع واستنكر عدم إكمال الرواية، ولما طالت فترة التوقف وأصبحت كالتائه، استقر في وجداني أنني انتهيت كروائي، وأنه لم يعد عندي جديد أقدمه للناس، لدرجة أنني ذهبت إلى نقابة الممثلين وقيدت اسمي ككاتب محترف «للسيناريو»، وكنت قبل ذلك أعمل كهاوٍ في كتابة «السيناريو» مع المخرج صلاح أبوسيف، وتصورت أن كتابة «السيناريو» سوف تكون هي عملي الوحيد الذي يمثل لي العزاء ويسد الفراغ الذي تركه الأدب في حياتي، وكنت في تلك الأيام مقبلاً على الزواج، وتزوجت بالفعل في عام ١٩٥٤، وكان لابد لي من عمل أحصل منه على دخل إضافي أواجه به مسئوليات الزواج والأسرة الجديدة.
وفي أيام عملي كسيناريست محترف زاد دخلي بشكل ملحوظ مقارنة بأيام عملي كروائي، والحقيقة أن فترة عملي في كتابة «السيناريو» كانت من أحسن فترات حياتي من الناحية المادية.
في عام ١٩٥٧ شعرت بدبيب غريب يسري في أوصالي، ووجدت نفسي منجذبًا مرة أخرى نحو الأدب.
وكانت فرحتي غامرة عندما أمسكت بالقلم مرة أخرى، ولم أصدق نفسي عندما جلست أمام الورق من جديد لأعاود الكتابة.
وكانت كل الأفكار المسيطرة عليّ في ذلك الوقت تميل ناحية الدين والتصوف والفلسفة.
فجاءت فكرة رواية «أولاد حارتنا» لتحيي في داخلي الأديب الذي كنت ظننته قد مات.
ولذلك لاحظ النقاد تغييرًا في أسلوبي واتجاهاتي الأدبية وهم يقارنون رواية «أولاد حارتنا» بما سبقها من أعمال.
فهي لم تناقش مشكلة اجتماعية واضحة كما اعتدت في أعمالي قبلها، بل هي أقرب إلى النظرة الكونية الإنسانية العامة، ومع ذلك فرواية «أولاد حارتنا» لا تخلو من خلفية اجتماعية واضحة.
ولكن المشكلات التي صاحبتها والتفسيرات التي أعطيت لها، جعلت كثيرين لا يلتفتون إلى هذه الخلفيات.
نشرت رواية «أولاد حارتنا» في جريدة «الأهرام» كحلقات مسلسلة، ولهذا النشر قصة أخرى، لأنني كنت أرفض من قبل أسلوب النشر المسلسل هذا.
ففي سنة ١٩٥٧ حصلت على «جائزة الدولة»، وهي جائزة قديمة أخرى غير جائزة الدولة الحالية والتي تأسست اعتبارًا من العام ١٩٥٨ وكانت قيمتها المالية ألفي جنيه مصري، وحصل عليها في نفس العام الدكتور محمد كامل حسين عن روايته «قرية ظالمة».
وقد ضاع مبلغ الألفي جنيه بعد ذلك في عملية نصب تعرضت لها، حيث دفعتهما لشراء فيلا وهمية على النيل، ولمناسبة حصولي على جائزة وتكريمًا لي أقام إحسان عبد القدوس حفلاً في منزله القديم الكائن بشارع قصر العيني، ودعا إليه عددًا كبيرًا من الأدباء والصحفيين على رأسهم كامل الشناوي، وتربطني بإحسان عبد القدوس علاقة شبه عائلية، منذ أن كان جارًا لنا في شارع «رضوان» بالعباسية، وقد ولد إحسان في هذا الشارع، ونشأت بيننا علاقة حميمة بعد أن انتقلنا من الجمالية لنسكن نفس الشارع، وقبل أن أتعرف عليه ربطت الصداقة بيني وبين ابن عمة له.
في حفل التكريم الذي أقامه لي إحسان عبد القدوس اقترب مني على حمدي الجمال مدير تحرير «الأهرام» في ذلك الوقت، وقال لي: إنه يكلمني باسم الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس التحرير، وأنه يريد مني رواية لتنشر في الجريدة على حلقات مسلسلة، لم أكن بدأت في كتابة رواية «أولاد حارتنا»، وبالتالي اعتذرت بأنه ليس لدي الآن رواية جاهزة للنشر، ووعدت «الجمال» بأن أول رواية أكتبها سأرسل بها إلى «الأهرام».
وانتهيت من كتابة رواية «أولاد حارتنا» في شهر أبريل سنة ١٩٥٨، حيث استغرقت كتابتها سنة «نجيبية»، حيث تبدأ سنة الكتابة عندي في شهر أكتوبر وتنتهي في شهر أبريل، وتذكرت بعد أن انتهيت من الرواية الوعد الذي قطعته على نفسي، فاتصلت بالأستاذ على حمدي الجمال، واتفقنا على موعد، وذهبت إليه بأوراق الرواية التي قرأها وأعجب بها وصرح بنشرها دون أي ملاحظات.
ويبدو أن الأستاذ الجمال قرأها على أنها رواية عادية عن حارة مصرية يقع بها صراع بين مجموعة من الفتوات.
وبدأت جريدة «الأهرام» في نشر الرواية، ومرت حلقاتها الأولى دون أن تظهر أي ملاحظات عليها، فالجزء الأول من الرواية لا يسبب أية مشاكل.
ولكن الأزمة بدأت بعد أن نشرت الصفحة الأدبية بجريدة «الجمهورية» خبرًا يلفت فيه كاتبه النظر إلى أن الرواية المسلسلة التي تنشرها جريدة «الأهرام» فيها تعريض بالأنبياء.
بعد هذا الخبر المثير، بدأ البعض، ومن بينهم أدباء للأسف، في إرسال عرائض وشكاوى إلى النيابة العامة ومشيخة الأزهر، بل وإلى رئاسة الجمهورية، يطالبون فيها بوقف نشر الرواية وتقديمي إلى المحاكمة.
وبدأ هؤلاء يحرضون الأزهر ضدى على أساس أن الرواية تتضمن كفرًا صريحًا، وأن الشخصيات الموجودة في الرواية ترمز إلى الأنبياء، وقد عرفت هذه المعلومات عن طريق صديق لي هو الأستاذ مصطفى حبيب الذي كان يعمل سكرتيرًا لشيخ الأزهر، وكان شقيقه يعمل وكيل نيابة، وهو الذي أخبرني أن أغلب العرائض التي وصلت إلى النيابة العامة أرسلها أدباء.
وخدع رجال الأزهر في هذه الأزمة، لأنهم لم يحسنوا قراءة الرواية وفهمها، بل إن بعضهم لم يقرأ رواية أدبية من قبل، ومن هنا فسروا رواية «أولاد حارتنا» تفسيرًا دينيًا، ورأوا أن شخصية أدهم في الرواية ترمز إلى آدم، وشخصية جبل هي موسى، وشخصية رفاعة هي شخصية المسيح، أما شخصية قاسم فهي شخصية محمد عليه الصلاة والسلام.
وهكذا.
دافع عن الرواية الأستاذ محمد حسنين هيكل، ولولاه لكان توقف نشرها في «الأهرام» فورًا.
وبعد انتهاء نشر رواية «أولاد حارتنا» في «الأهرام» قابلني الدكتور حسن صبري الخولي الممثل الشخصي للرئيس عبد الناصر، وكان رجلاً في غاية اللطف، وقد سبق لنا العمل معًا في الرقابة، هو في رقابة النشر، وأنا في الرقابة على المصنفات الفنية.
قال لي «الخولي» إنه لا يستطيع أن يسمح بنشر رواية «أولاد حارتنا» في مصر - ككتاب - لأنه في حال صدوره ستحدث مشكلة كبيرة مع الأزهر، ولكن من الممكن أن تنشر الرواية خارج مصر.
واقترح علىّ «الخولي» ترتيب لقاء مع عدد من شيوخ الأزهر لمناقشة الرواية، ورحبت بالاقتراح، فاتفق معي على أن أحضر إلى مكتبه في يوم محدد، وسوف يدعو هو بعض شيوخ الأزهر لإجراء المناقشة معي.
وفي الموعد المحدد ذهبت إلى مكتب «الخولي»، فلم أجد أحدًا.
وقال لي «الخولي» إنه سوف يتصل بي لإتمام اللقاء المقترح عندما يتجمعون، ومازلت في انتظار المقابلة منذ أكثر من خمسة وثلاثين عامًا، ولم تتم.
وأذكر أنه في أحد اجتماعات المجلس الأعلى للثقافة جلس إلى جانبي شيخ الأزهر، ودار بيننا حديث ودي للغاية، لكنه كان متحفظًا على قضية رواية «أولاد حارتنا».
نامت الأزمة فترة طويلة حتى انفجرت في اليوم التالي لحصولي على جائزة نوبل، خاصة بعد ما تردد أنني حصلت عليها بسبب هذه الرواية، على الرغم من أن آخر ما جاء ذكره في تقرير الجائزة هو هذه الرواية.
وفي اعتقادي أن سبب الأزمة هو التركيز على التفسير الديني للرواية، مع أن هناك تفسيرات أخرى، فالرواية الواحدة يمكن تفسيرها بأكثر من تفسير.
رواية «ثرثرة فوق النيل» مثلاً كتبتها كتعبير عن عزلة المثقفين وعلاقتهم المضطربة بالسلطة، ولكن قد يفسرها البعض على أنها رواية فلسفية تعبر عن عزلة الإنسان في الكون.
ورغم أن رواية «ثرثرة فوق النيل» تعبر عن مشكلة محلية إلا أن البعد الإنساني فيها جعلها تحظى بشعبية كبيرة في الخارج عند ترجمتها إلى عدة لغات منها الفرنسية والألمانية.
وبهذه المناسبة أذكر أنه بعد حصولي على جائزة نوبل تولت الجامعة الأمريكية بالقاهرة تنظيم عملية ترجمة رواياتي للغات الأجنبية بالاتفاق مع دور النشر العالمية، كلما ترجمت رواية إلى أي لغة، فإن الجامعة ترسل لي نسخة منها.
وكدليل على صحة وجهة نظري الخاصة بتعدد التفسيرات بالنسبة للرواية الواحدة، أن ناقدًا وأديبًا شابًا يعمل في مجلة عالمية أظنها «النيوزويك» بعث لي برسالة طويلة يشرح لي فيها أنه كان يمر بأزمة إبداع لازمته فترة من الوقت، وأثناء هذه الأزمة قرأ بالمصادفة رواية «أولاد حارتنا» - مترجمة إلى الإنجليزية - فوجد فيها معاني إنسانية جميلة حركت بداخله المياه الراكدة، كتب نقدًا جميلاً للرواية، أرفقه برسالته، هذا الحماس الذي بعثته الرواية في داخله دفعه لكتابة عملين قال لي إنهما قيد الطبع، وأنه سيبعث بنسخ منهما لي بمجرد خروجهما من المطبعة.
بعد حصولي على جائزة نوبل بفترة كتب الأستاذ أنور الجندي مقالاً في مجلة - أظنها «الاعتصام» - يهاجمني فيه بعنف ويقول إن أدبي كله فسق وكفر.
والجندي هو نفسه الذي كفر طه حسين من قبل، وكتب أن فن القصة فن استعماري مخالف للإسلام.
مع العلم أن القرآن يحتوي على قصص من أجمل ما يمكن، والنقلات في القصص القرآني من أعذب وأحدث ما يمكن، وفي طريقة القصص القرآني ملامح الأساليب الحديثة في فن القصة من ناحية الصور والأساليب واللغة.
بعد أنور الجندي جاءت فتوى الشيخ عمر عبد الرحمن الذي قال في حديث صحفي نشرته له جريدة «الأنباء» الكويتية: «إننا لو كنا قتلنا نجيب محفوظ عندما نشر رواية (أولاد حارتنا) ما ظهر إلى الوجود سلمان رشدي».
وأحضر لي الصحفي الأستاذ سليمان الحكيم نسخة من جريدة «الأنباء» الكويتية التي تحتوي على الحديث وأطلعني عليها.
وبعد هذه الفتوى اتصل بي ضابط شرطة من مباحث أمن الدولة واستأذن في زيارتي بالمنزل.
وفهمت وقتئذ سبب الزيارة بطبيعة الحال.
جاء الضابط وتحدث معي، وعرض تزويدي بحراسة خاصة، خشية تعرضي للاغتيال، وأوضح لي أن فتوى الشيخ عمر عبد الرحمن والتي جاءت عرضًا في حديث صحفي، لا تعد تهديدًا صريحًا بالقتل، ولكن قد يقرأ الحديث أحد أتباعه، ويعتبرها فتوى ملزمة، ويقوم باغتيالي.
اعتذرت عن قبول الحراسة الخاصة، وكانت أسبابي في ذلك كثيرة، وأهمها أن تلك الحراسة ستكون مقيدة لحريتي في الحركة والتنقل، وسوف تحول حياتي إلى عذاب لا يطاق.
فإذا ذهبت إلى سهرة «الحرافيش» فلابد أن يكون الحارس بجواري، وكذلك إذا فكرت في الذهاب إلى أي مكان لابد أن يتبعني الحارس كظلي.
وكانت تجربة ثروت أباظة مع الحراسة الخاصة لا تزال ماثلة في ذهني.
فعندما كان يأتي ليسهر معنا في الإسكندرية وحارسه معه، كان الحارس يجلس معنا، فيلتزم الجميع الصمت، ولذا امتنع ثروت أباظة عن الحضور بعد أن شعر بالإحراج.
وقلت لضابط الشرطة معتذرًا: «لو مشى ورائي حارس فإنه هو الذي سيقتلني، لأنني سوف أعذبه بسبب حبي للمشي، وسوف يضطر للمشي معي يوميًا.
وبعد فترة سوف يضيق بي ويقتلني! ! »، فضحك الضابط وتقبل اعتذاري.
ويستقر في وجداني أن الحراسة لن تمنع وقوع الضرر، فالنقراشي باشا قتل في مبنى وزارة الداخلية بين صفين من الجنود، وأنور السادات قتل وسط الجيش في احتفال عسكري مهيب.
ومن هنا كان رفضي للحراسة، لأنها لن تمنع قدرًا، وستعكر حياتي في أيامي الأخيرة في هذه الدنيا.
وبعد اعتذاري للضابط عن قبول الحراسة الخاصة بعدة أيام، فوجئت أثناء عودتي للبيت بوجود عسكري شرطة في مدخل العمارة.
فسألت زوجتي فقالت لي إن هذا العسكري جاء اليوم وطرق باب الشقة وتأكد من أنني أسكن فيها، ثم خرج ليقف أمام مدخل العمارة.
اتصلت فورًا بضابط الشرطة الذي سبق أن زارني عارضًا أمر الحراسة الخاصة، وكان قد ترك لي رقم تليفونه، فأخبرني أنها مجرد إجراءات لتأمين وضمان سلامتي من بعيد، ومن غير إزعاج لي، وأنه لم يخبرني بذلك قبل تنفيذه، لأنه ليس من حقي أن أرفض.
إلى جانب تلك المتاعب التي سببتها لي رواية «أولاد حارتنا»، من صدام مع الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية وفتاوى التكفير، كنت أتلقى أحيانًا رسائل مليئة بالشتائم وبأقذع الألفاظ، ولكنها لم تصل إلى حد التهديد بالقتل.
ويختتم النقاش الفصل قائلًا" الحقيقة أن الفكرة الأساسية في «أولاد حارتنا» هي تصوير الكفاح الإنساني في البحث عن العدالة والمعرفة.
وهذا هو هدف الرواية الأساسي، ولم يكن فيها قصد للإساءة إلى الأنبياء عليهم السلام ولا التعريض بالدين".
وفي الفصل السابع عشر من كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ»، الذي حمل عنوان «روايات أثارت أزمات»، توقف الأديب نجيب محفوظ عند عدد من أعماله التي أثارت جدلًا واسعًا، وفي مقدمتها رواية «أولاد حارتنا».
وتحدث عن الدوافع التي قادته إلى كتابتها، والرموز التي استخدمها فيها، وردود الفعل التي صاحبت نشرها، قائلًا: ربما تكون «أولاد حارتنا» أكثر رواياتي إثارة للأزمات والجدل، وهذا الأمر لا يتفق مع حسن النية الذي كان وراء كتابتي لهذه الرواية.
وأعترف بداية أنني اخترت أسماء الشخصيات موازية لأسماء الأنبياء، وجعلت من المجتمع انعكاسًا للكون، وكنت أريد بذلك أن تكون القصة الكونية غطاء للمحلية.
وبلغ من حسن نيتي أنني فكرت في كتابة مقدمة للرواية أشرح فيها وجهة نظري، لأنني كنت أحسب أن من يقرأها سوف يقرأها قراءة صحيحة.
ولم أقدر أن حسن النية عندي سوف ينتهي بوجود مفاتيح سهلة في أيدي الجماعات المتطرفة للطعن في الرواية وصاحبها.
كنت أظن أن الناس ستقرأ الرواية من منطلق هذه الرؤية الشاملة، وهل هذه الشخصيات التي تقدمها الرواية هي شخصيات خيرة أم شريرة؟ وهل تقوم بأدوار البطولة أم بأدوار ثانوية؟
فإذا كانت تلك الشخصيات خيرة، وتقوم بأدوار البطولة، فإن التفسير الموضوعي يؤكد أن مؤلفها ليس ضد الأنبياء، وليس لديه النية للإساءة إليهم.
وللأسف فوجئت بتفسيرات غريبة للرواية، فقد طابقوا بين الأنبياء وأبطال الرواية، لدرجة أن أحدهم قال لي إنني جعلت أحد الأنبياء «بيحشش وماشي حافي! »، ودخلنا في جدل عقيم وصل إلى حد الإسفاف، ولم أحسب مطلقًا أنني سوف أتعرض لشيء من ذلك عندما كتبت الرواية.
المغزى الأساسي لرواية «أولاد حارتنا» هو أنها حلم كبير بالعدالة وبحث دائم عنها، ومحاولة للإجابة عن سؤال جوهري: هل القوة هي السلاح لتحقيق العدالة أم الحب أم العلم؟ والذي دفعني لكتابة هذه الرواية، وهي أول رواية أكتبها بعد قيام ثورة يوليو، هو تلك الأخبار المتناثرة والتي ظهرت في تلك الفترة ـ حوالي العام ١٩٥٨ ـ عن الطبقة الجديدة التي حصلت على امتيازات كبيرة بعد الثورة، وتضخمت قوتها.
حتى بدأ المجتمع الإقطاعي الذي كان سائدًا في فترة الملكية يعود مرة أخرى، مما ولد في نفسي خيبة أمل قوية، وجعل فكرة العدالة تلح على ذهني بشكل مكثف، وكانت هذه هي «الخميرة» الأولى للرواية.
وفي حديثه الممتد عبر فصول الكتاب، يواصل نجيب محفوظ تفكيك عوالم رواياته وشرح خلفياتها الفكرية والاجتماعية، متوقفًا عند أكثر من عمل أثار جدلًا أو قدّم قراءة ناقدة للواقع، من «ثرثرة فوق النيل» إلى «اللص والكلاب» و«الشحاذ» و«ميرامار»، موضحًا أن ما كتبه لم يكن بعيدًا عن نبض المجتمع وأسئلته الكبرى فنجده يقول: في رواياتي انتقدت نظام الحكم وحاولت توضيح الأخطاء، ولكنها كانت انتقادات موضوعية لم تتعرض لأشخاص.
ففي رواية «ثرثرة فوق النيل» التي ظهرت في عز مجد عبد الناصر، وفي وقت كان فيه الإعلام الرسمي يحاول ليل نهار أن يؤكد للناس انتصار الثورة والنظام، نبهت إلى كارثة قومية، كانت قد بدأت تطل برأسها على السطح، وكان لابد أن تكون لها نتائجها الخطيرة.
وكنت أعني محنة الضياع وعدم الإحساس بالانتماء التي يعاني منها الناس، خاصة في أوساط المثقفين، الذين انعزلوا عن المجتمع، وأصبحوا في شبه غيبوبة، فلا أحد يعطيهم الفرصة ولا هم قادرون على رؤية الطريق الصحيح.
وفي المحاولة التي قاموا بها لإيجاد هذا الطريق ارتكبوا حادثة رهيبة في شارع الهرم ولاذوا بالفرار، وهي الحادثة التي تدل على أن عزلتهم وأنانيتهم دفعتهم للإقدام على هذا التصرف الخاطئ.
بعض النقاد ربطوا بين حالة الغيبوبة التي يعيشها أبطال الرواية وتلك الحالة التي كانت تعيشها طائفة «الحشاشين»، إحدى الفرق المتطرفة التي ظهرت في تاريخ الدولة الإسلامية، وكان زعيمهم حسن الصباح يوهمهم تحت تأثير تناولهم للحشيش أنهم في الجنة، ويحرضهم على قتل الزعماء، وفي إحدى المرات كادوا يقتلون صلاح الدين الأيوبي.
والفارق بينهما أن الغيبوبة التي يعيشها أبطال رواية «ثرثرة فوق النيل» تمثل نوعًا من الانتحار الذاتي وطريقًا للخلاص من المشكلات التي يواجهونها، أما زعيم الحشاشين، فكان يستغل هذه الحالة ليوجه أتباعه إلى عمل عنيف وهو القتل.
وفي رواية «اللص والكلاب» كان هناك نقد واضح لثلاث قضايا، الأولى: هي خيانة المبدأ، والثانية: مبدأ الاغتيال نفسه، والثالثة: الحلول الغيبية.
وكنت أعني أن أمور التصوف والدروشة لا تقدم للسالكين فيها سوى تسكين مؤقت، ولكنها لا تعالج المشكلة من أساسها.
وكنت أنبه إلى خطورة تغلغل وانتشار الطرق الصوفية في مصر بعد الثورة، حيث وجد فيها الناس بعض العزاء عن إلغاء الأحزاب والقوى السياسية التي تعبر عنهم، حتى أنني شعرت في لحظة من اللحظات أن الشعب كله أصبح عبارة عن تجمعات من الدراويش.
ومن الفرق الصوفية بدأت تظهر في فترة لاحقة جماعات لا تؤمن بالحلول الغيبية والمسكنات، ولا تجد نفعًا في التصوف المسالم، واقتنعت بضرورة اللجوء إلى استخدام العنف والقوة.
وكانت رواية «الشحاذ» تعبيرًا عن حالة الضياع والإحباط التي يعيشها المثقفون، وحاولت فيها أن أقول إننا عدنا، كما كنا في أواخر الخمسينيات، نبحث عن طريق للخلاص، نبحث عما نسميه اليوم بالانتماء.
فرواية «الشحاذ» عبارة عن أغنية رثاء ذاتية لمثقف يساري ضائع فعل كل شيء ولكنه لم يحصل على نتيجة، فيدخل في صراع نفسي رهيب.
ويسأل نفسه: أنا ابن من؟ وما هو الهدف من حياتي؟ ولماذا جئت إلى هذه الدنيا؟
وهذه الأسئلة لا ترد على ذهن الإنسان إلا في حالات الإحباط واليأس.
وفي تلك الأعمال ظهر بوضوح الانتقال من المستوى الاجتماعي إلى المستوى الفلسفي.
وفي رواية «ميرامار» تعرضت بصراحة لمشكلة الاتحاد الاشتراكي وصراع الطبقات في المجتمع، وتعرضت كذلك للديكتاتورية، وانتقدتها بشدة.
وفي ضوء هذه الشهادات المتعددة، يتضح أن نجيب محفوظ لم يترك رواياته لتأويلات متفرقة أو قراءات منفصلة عن سياقها، بل قدّم بنفسه مفاتيح فهمها وشرح دوافع كتابتها، متنقلًا بين كواليس الإبداع وأسئلته الفكرية.
وكأنه يجيب، عبر هذا الكتاب، عن كل سؤال يُطرح حول أعماله؛ فكل من يبحث عن تفسير لرواية من رواياته، يجد أن الإجابة قد سبقت، وأن صاحبها روى بنفسه ما وراء النص، وما بين السطور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك