لم يكن النشيد الوطني يوماً مشهداً يحتاج إلى إخراج؛ كان اللاعب يقف، يضع يده على قلبه أحياناً، وتنهمر الدموع أحياناً أخرى، وكان ذلك كافياً، فلم تكن الكاميرا تصنع اللحظة، بل اللحظة هي التي كانت تصنع الكاميرا، ولكن” فيفا” قررت أن هذا لم يعد كافياً، فبحسب ما نشرته “الأثليتك”، لن يقف اللاعبون في مونديال 2026 بالطريقة التقليدية المعتادة، بل سيتوجه كل منتخب للوقوف أمام علم بلاده العملاق المفروش على عشب الملعب؛ لتصبح دائرة المنتصف قلب الحدث البصري.
الفكرة ليست سيئة في ظاهرها، لكنها تكشف شيئاً أعمق، وهو أن” فيفا” لم تُحسّن لحظة، بل أعادت تصميمها؛ حيث حوّلت مشهداً إنسانياً أصيلاً إلى محتوى مدروس قابل للاقتطاع على منصات التواصل، وإطاراً بصرياً مثالياً للكاميرا التلفزيونية والراعي التجاري؛ حيث تحول اللاعب الى عنصر في تصميم جرافيكي حي.
تشير التوقعات أن تصل إيرادات الرعاية التجارية في مونديال 2026 إلى 2.
4 مليار دولار، بارتفاع نسبته 37 ٪ مقارنةً بنسخة قطر 2022، وهذا الرقم وحده يكشف أن محور الثقل انتقل من الملعب إلى الاجتماع المالي، وهذا التحول الأكثر دلالةً هو استغلال فترات الاستراحة المائية؛ حيث سيسمح للمحطات التلفزيونية باستثمار الاستراحة الثلاثية المقررة عند الدقيقة 22 في كل شوط لبث إعلانات تجارية، ما يُفتّت المباراة فعلياً إلى أرباع على غرار الرياضات الأمريكية.
الكرة الأوروبية قاومت هذا النموذج لعقود؛ لأن جمالها قائم على الانسياب.
أما الآن، فقد فتحت فيفا باب “الأمركة” على مصراعيه، وللمقارنة، فإن 31٪ من إجمالي إيرادات التلفزيون في الولايات المتحدة عام 2022 كانت مرتبطة بالبث المباشر، بما يعادل24.
7 مليار دولار.
أيضاً- وللمرة الأولى في تاريخ كأس العالم- سيشهد نهائي 2026 استعراضاً فنياً على غرار Super Bowl Halftime Show، والفكرة مثيرة للجدل من جهة ستجذب ملايين المشاهدين غير المهتمين أصلاً بالكرة، ومن جهة أخرى، تُرسل رسالةً ضمنية؛ مفادها أن المباراة وحدها لم تعد كافية لملء الفضاء الإعلامي، وبصراحةً ثمة فائدة حقيقية للمشجع (أسواق جديدة، منتخبات أكثر، وحضور أوسع لكرة القدم في أمريكا الشمالية التي ظلت سوقاً غير مُستثمرة.
) حيث نمت الرعايات التجارية لكرة القدم في مدن الاستضافة الأمريكية بمعدل ٢١٪ في السنوات الأخيرة وذلك يعتبر توسعًا حقيقيًأ للعبة، ولكن في المقابل، العشاق التقليديون سيشعرون بأن اللعبة تُعاد صياغتها لتناسب سوقاً، لا حباً.
مونديال 2026 سيكون الأكبر والأغنى والأوسع تسويقياً في التاريخ، لكن السؤال يظل: هل ستظل كرة القدم هي البطلة؟ أم أنها ستتحول إلى خلفية جميلة لعرض تجاري ضخم؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك