السؤال الذي يطرح دائمًا على المدى البعيد فيما يتعلق بالأزمة الراهنة على ضفاف الخليج والشرق الأوسط هو: هل ستعود المنطقة إلى ما كانت عليه قبلها، أم أن هناك نماذج كبرى Paradigm ستتغير في بنيتها وعلاقاتها واتجاهاتها ومواقفها، وقد تمس حياة ساكنيها؟في هذه الحالة يقتضي التحليل الموضوعي أن نبتعد قليلًا عن تحيزين معرفيين يسودان اللحظة الراهنة ويُعرفان بتحيز التركيز (Focusing Illusion)، وتحيز القرب والتوافر الزمني (Recency Bias)، ومعناهما أن المحلل كلما كان يعيش لحظة الحدث بقربها الزمني، وتفاعلاتها، وقربها الجغرافي، وتبدل متغيراتها ومعطياتها كان يرى في ذلك الحدث مركز العالم ومركز التاريخ، فيضخم أثره وحجمه ودلالته، ثم حين يبتعد في الزمان وتقل وتيرة الحدث، وتبدأ السياقات الشمولية للحدث تتضح يعود الحدث إلى حجمه الطبيعي في صيرورة التاريخ، وينظر إليه بصورة أكثر واقعية في سياق الحركة الزمنية، وتداعي الأمم والمصالح.
لذا يغدو من الجيد التمييز في تحليل ما يحدث بين (متفاعلات اللحظة) والقراءات الآنية لها من زاوية، وبين النظر بشكل استراتيجي وربط الأحداث والتداعيات والإشارات المبعثرة لتشكيل صورة كلية من زاوية أخرى.
ما يجعل الأزمة الراهنة محطة تاريخية بالغة الحساسية في تاريخ المنطقة في تقديرنا ستة أبعاد رئيسية: أولها أن أطراف الصراع كانت تاريخيًا تختبر الأدوات غير المباشرة للصراع، وتجرب مستويات مختلفة من التصعيد، وصولًا إلى الصراع العسكري المباشر، وهذه لحظة انكشاف مهمة تستطيع تقدير حجم القوة ومستويات الردع، وتحديد حافة الهاوية الأخيرة لأي صراعات قادمة محتملة.
ثانيها بروز أداة صراع قد تكون أداة لتغيير التوازنات في الصراعات المقبلة عالميًا، وهي أداة الممرات المائية، وبروز هذه الأداة ليس في ذاتها فحسب، وإنما في قدرتها على نقل تداعيات الصراع إلى قطاعات أكثر تعقيدًا وتشابكًا كالاقتصاد والمجتمع.
ثالث الأبعاد أن الأزمة الحالية وظفت كل أشكال الحرب المحتملة، واختبرت حدودها وتأثيراتها من المواجهة العسكرية المباشرة إلى الحرب المالية والاقتصادية إلى الحصار، وإلى تقييد شبكات الانتقال والحركة العالمية، وإلى الضغوط السياسية، وإلى تجييش الجماعات الاجتماعية مرورًا بماكينة إعلامية تحمل سرديات متصارعة لا يقل تأثيرها في بؤرة الصراع عن تأثير الفعل العسكري.
أما رابع الأبعاد فهو في خطورة الانكشاف الخليجي.
هذه المنطقة التي استطاعت عبر عقود تشكيل نموذج فريد من التنمية النوعية لساكنيها، والقدرة على التأثير بدبلوماسيتها الناعمة عبر العالم اكتشفت في لحظة أنها تجر إلى حربٍ معقدة يصعب التحكم في مساراتها، ولا يمكن معالجتها بالأدوات التقليدية، وما تخلقه من واقع جديد أصبح مخالفًا لكل أنماط الاستشراف والتوقعات.
أما خامس تلك الأبعاد فهي فكرة أن تماسك النسيج المجتمعي من الداخل، والقدرة على السيطرة على الرواية الوطنية، والقدرة على تصدير تلك الرواية بطريقة واعية لا يقل أهمية عن المنظومات الدفاعية والأمنية بمختلف مستوياتها وأبعادها.
سادس تلك الأبعاد وآخرها هو قدرة أطراف الصراع على توسيع المشهد الإقليمي لهذا الصراع وتضييقه وفق معادلات جديدة، وهذا البعد في تقديرنا هو أخطر أبعاد الأزمة على مستوى مستقبلها وتداعياتها اللاحقة.
ما نراه في الأفق خمسة متغيرات كبرى سيعرفها العالم عمومًا - حسب تقديرنا - والمنطقة على وجه الخصوص بعد هذه الأزمة سيكون ملف «الاعتمادية الذاتية State self-reliance» أقصى أولوية بالنسبة للحكومات في كل المستويات دفاعيًا وأمنيًا وغذائيًا وصحيًا وتقنيًا، وسيدعم ذلك الانكفاء الواضح لموجة العولمة الذي بدأت مؤشراته تظهر منذ منتصف العقد الفائت؛ فبينما كانت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عالميًا قد بلغت نحو 1.
76 تريليون دولار في 2015 تراجعت إلى نحو 1.
6 تريليون دولار في 2025 في مقابل تباطؤ متوقع لنمو تجارة السلع العالمية من 4.
6% في 2025 إلى 1.
9% في 2026؛ لن يغادر العالم العولمة كليًا، لكنه يعيد تحجيمها وتسييجها سياسيًا وأمنيًا، وهو ما يشي باحتمالية انفجار ثورة جديدة في السياسات الحمائية لن تقتصر على الرسوم الجمركية، بل سوف تتعداها إلى كافة مكونات سلاسل الإمداد.
المتغير الآخر قد تبرز نزعات وطنية إلى توسيع برامج الخدمة الوطنية بأشكال مختلفة مع التركيز على خريجي التعليم العام، وتأهيلهم لأداء أدوار وطنية مختلفة، ليس فقط بمفاهيم التجنيد التقليدية، وإنما من خلال تبني برامج لضمان اندماجهم المجتمع، ورفع حسهم الوطني، والتشديد على تحييد تأثرهم بالتيارات الإعلامية والفكرية والسلوكية التي قد تحيد ذلك الحس.
أما المتغير الثالث في تقديرنا فقد يكون في توجيه الدول إلى بناء منظومات الصمود الوطني؛ فيتوجه الإنتاج نحو الاكتفاء الذاتي، ويتوجه الابتكار نحو صناعات الصمود في مختلف المجالات، وتصبح القطاعات التي تخاطب أولويات الصمود هي الأولوية الاقتصادية والتخطيطية لمختلف الدول.
على الجانب الآخر قد تذهب الأحداث إلى متغير مهم، وهو إعادة تخطيط التحالفات الاستراتيجية والشراكات؛ فالمنطق الجديد لها سيكون منطلقًا من حدود المصير المشترك، والقدرة على التبادلية الاقتصادية في الأزمات، والقدرة الحقيقية على تكوين مواقف واضحة مشتركة، والقدرة على الدفاع المشترك المبني على وحدة المصير والمصالح الحقيقية.
أما المتغير الأخير فهو في دفع الدول المعتمدة على عوائد النفط والغاز إلى التفكير في تكوين سلال حقيقية من التنويع الكلي؛ التنويع في مصادر الطاقة، وفي قطاعات الإنتاج الاقتصادي، وفي قوة المحفظة المالية والاستثمارية لهذه الدول.
يبقى القول: إن هذه المتغيرات ممتدة ولها إشاراتها منذ سنوات، والقراءة الدقيقة لتداعيات الأحداث تظهر للمحلل أن المسألة تتعدى الاحتكاك العسكري المباشر والنزاع على ملفات بعينها إلى محاولة خلق توازنات جديدة للمنطقة والعالم في الاقتصاد والطاقة والاستراتيجية الأمنية والدفاعية عمومًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك