بعد أكثر من عقدين على صدوره الأول، رأت النورَ طبعةٌ جديدة (ثالثة) من كتاب" الخطاب السياسي المبتور ودراسات أُخرى" (مدى الكرمل، حيفا، 2026) للمفكر العربي عزمي بشارة، في محاولة لاختبار راهنية أطروحات كُتبت في سياقات سياسية واجتماعية مختلفة، لكنها ما تزال - كما يُنبّه - قادرة على تفسير تعقيدات الحاضر.
في مقدّمته للطبعة الجديدة، يلاحظ بشارة أن إعادة قراءة الكتاب كشفت له استمرار راهنيّة التحليل، بوصفها نتيجة لكون الظواهر الاجتماعية والسياسية التي تناولها الكتاب ما تزال قائمة بأشكال مختلفة.
ويشدد على أن القيمة الحقيقية للعمل ترتبط بقدرته على تقديم أدوات تحليل علمية لفهم البنى الاجتماعية والسياسية، حتى حين تتغير الظروف التاريخية.
ينطلق الكتاب من دراسة واقع الفلسطينيين داخل إسرائيل، بوصفهم أقلّية نشأت في سياق تاريخي استثنائي بعد نكبة عام 1948، وما نتج عنها من تهجير واسع وتدمير للمراكز الحضرية الفلسطينية.
ويرى بشارة أن فقدان المدينة الفلسطينية كان حدثاً بنيوياً أعاد تشكيل المجتمع برمّته.
فبدل المدن التي كانت تُنتج نخبة سياسية وثقافية واقتصادية، نشأت بلدات عربية كبيرة على هامش المدن الإسرائيلية، من دون أن تمرّ بعملية تمديُن حقيقية.
هذا الفراغ الحضري أدّى إلى غياب اقتصاد مستقل، وترسخ ارتباط كامل بسوق العمل الإسرائيلي، في ما يسمّيه" بُنية التحديث من دون حداثة".
يُقدّم الكتاب هذا المدخل قاعدة لفهم التحولات السياسية اللاحقة، إذ يربط بشارة بين هذه البنية الاجتماعية وبين تشكل أنماط الوعي السياسي لدى الفلسطينيين في الداخل، بما في ذلك محدودية أدوات التنظيم السياسي، وتذبذب العلاقة بين الهوية الوطنية الفلسطينية ومتطلبات المواطنة داخل دولة تُعرّف نفسها بأنها يهودية.
يعيد بشارة قراءة تطور الوعي السياسي الفلسطيني داخل الخط الأخضر عبر مراحل تاريخية متتابعة.
فمرحلة ما بعد 1948 تميزت، بحسبه، بالخضوع للحكم العسكري وبسيادة هاجس البقاء الفردي، حيث غابت الهوية السياسية المنظمة لصالح الاندماج القسري في شروط الدولة الجديدة.
أما بعد حرب 1967، فقد شكّلت لحظة التواصل مع الفلسطينيين في الضفة وغزة نقطة انعطاف، عززت الهوية الوطنية، لكنها في الوقت ذاته أبرزت خصوصية وضع فلسطينيي الداخل القانوني والسياسي.
أما محطة" يوم الأرض" عام 1976، فتُعد لحظة مفصلية في انتقال هذا الوعي من حالة مشتتة إلى فعل جماعي منظم، جمع بين البعد المدني المتعلق بالأرض والحقوق، والبعد الوطني المرتبط بالهوية والانتماء الفلسطيني.
ومن هنا بدأت تتبلور أشكال العمل السياسي المؤسسي، سواء عبر الأحزاب القائمة أو الحركات الجديدة.
يطرح بديلاً يقوم على دولة المواطنين التي تضمن المساواةينتقل الكتاب بعد ذلك إلى تحليل جوهر أطروحته المركزية: مفهوم" الخطاب السياسي المبتور".
ويقصد به ذلك الخطاب الذي يعجز عن التوفيق بين مستويين متلازمين فرضهما الواقع: الأول هو الاندماج الموضوعي في بنية الدولة الإسرائيلية عبر الاقتصاد والقانون والخدمات، والثاني هو رفض هذا الاندماج على المستوى القومي والرمزي.
هذا التناقض، بحسب بشارة، لا ينتج ارتباكاً سياسياً، كما يستمر في إنتاج أنماط مشوهة من العمل العام.
ويفصل المفكر العربي بين نوعين من الانزلاق داخل هذا الخطاب: الأول يتمثل في الانتهازية البراغماتية التي تختزل السياسة في مطالب خدمية وبلدية ضيقة، والثاني في الانعزال الطهوري الذي يرفض أدوات المشاركة السياسية بدعوى عدم الاعتراف بشرعية الدولة، ما يؤدي إلى عجز عن التأثير الفعلي في الواقع.
وفضلاً عن النقد الذي يقدمه بشارة في هذا السياق، يطرح أيضاً تصوّراً بديلاً يقوم على فكرة" دولة المواطنين"، أي دولة تقوم على المساواة المدنية الكاملة من دون إلغاء الخصوصية القومية للفلسطينيين داخلها.
هذا التصور يرفض النموذج الليبرالي الإسرائيلي الذي يطلب من الفلسطيني الاختيار بين الذوبان أو الانعزال، ويقترح بدلاً منه معادلة تقوم على المساواة الفردية مع الاعتراف بالحقوق الجماعية.
ويمتد هذا الطرح ليشمل قضايا التعليم والثقافة والتمثيل المؤسسي، حيث يدعو إلى إدارة ذاتية للتعليم العربي، وتمثيل جماعي في المؤسسات العامة باعتبار الفلسطينيين جماعة قومية لا مجرد أفراد متفرقين.
ويحذّر الكتاب من أن غياب مشروع وطني منظّم، إلى جانب ضعف البنى الحديثة، يفتح المجال أمام تفكك داخلي يتمثل في العشائرية والجريمة المنظّمة، وهي ظواهر يراها بشارة جزءاً من تشوهات الحداثة في السياق الإسرائيلي، لا مجرد بقايا تقليد اجتماعي.
في المحصلة، يقدم" الخطاب السياسي المبتور" قراءة مركّبة لوضع الفلسطينيين داخل إسرائيل، تربط بين التاريخ الاجتماعي والبنية السياسية وأنماط الوعي.
وتكمن أهميته في كونه نصاً تاريخياً من جهة أولى، ومن أُخرى هو محاولة لفهم تناقض مستمر بين المواطنة والانتماء القومي، وبين الاندماج القسري والرفض السياسي، وهو تناقض ما يزال يشكل جوهر السؤال الفلسطيني في الداخل حتى اليوم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك