• الدكتور محمد السيد لـ" الشروق": الابتكار يعني خفضًا هائلًا في تكاليف إنتاج الأدوية والصناعات الغذائية ومعالجة المياهتوصل الدكتور محمد السيد، الباحث بالمركز القومي للبحوث في مصر، إلى طريقة مبتكرة لتحويل" تفل الشاي" إلى مادة متطورة قادرة على حمل الإنزيمات واستخدامها عشرات المرات في التطبيقات الصناعية والدوائية، وأعلن المركز القومي للبحوث حصوله على براءة اختراع.
وقال الدكتور محمد السيد، إن ابتكاره بسيط في فكرته، عميق في آثاره حيث يحول قمامة الشاي إلى ذهب تكنولوجي، ويقدم حلًا عمليًا لمشكلتين في آن واحد هما التلوث البيئي وارتفاع تكاليف الصناعات الإنزيمية.
وأضاف، خلال تصريحات لـ" الشروق": يدخل الشاي بقوة في الثقافة المصرية؛ حيث نستهلك نحو كيلوجرام من الشاي للفرد سنويًا، بواردات سنوية تقدر بنحو ملياري دولار، والنفايات الناتجة عن هذا الاستهلاك الهائل كانت دائمًا تمثل عبئًا بيئيًا، لكن اليوم، يبدو أن هذا" العبء" يتحول إلى" ثروة" حيث يتعالج مشكلة الإنزيمات فهي بروتينات طبيعية تعمل كـ" عمال ماهرين" داخل المصانع الحيوية وتحوِّل المواد الخام إلى منتجات نهائية مثل الأدوية، شراب الذرة، محسنات الخبز، والمنظفات، لكنها تعاني من عيبين كبيرين باهظة الثمن فشراء إنزيم نقي قد يكلف آلاف الدولارات وتُستخدم مرة واحدة ثم تذهب سدى ففي العمليات التقليدية، لا يمكن استعادة الإنزيم بعد الاستخدام، مما يرفع التكلفة الإجمالية للإنتاج.
وأشار إلى أن الحل التقليدي يكون بـ" حبس" الإنزيم داخل كرة جيلاتينية وللتغلب على هذه المشكلة، يلجأ العلماء إلى تقنية تعرف بـ" تثبيت الإنزيم"، أي حبسه داخل أو على سطح مادة صلبة، مثل كُريات صغيرة من مادة طبيعية تُسمى الألجينات (المستخرجة من الطحالب البحرية)، وبهذه الطريقة، يمكن سحب هذه الكريات من المحلول وإعادة استخدامها عدة مرات، لافتًا إلى أن هناك مشكلة تتمثل في أن الألجينات وحده غير كافٍ رغم أن الألجينات آمن وصحيًا ورخيص نسبيًا، إلا أنه يعاني من ضعفين رئيسيين ميكانيكي: يذوب في درجات الحرارة المرتفعة أو عند وجود الفوسفات، وندرة المجموعات الكيميائية النشطة فلا يملك" أذرعًا" كافية للإمساك بالإنزيم بقوة، مما يجعله يعتمد على روابط ضعيفة (امتصاص أو احتجاز فيزيائي)، فيتسرب الإنزيم بسرعة وتفقد الكريات فعاليتها.
وتابع: تفل الشاي غني بمركبات طبيعية قيمة – مثل الكالسيوم والنيتروجين والفلافونولات – تزيد من قدرة الألجينات على ربط الإنزيمات وتثبيتها، وعند خلط الألجينات مع تفل الشاي بنسبة متساوية، لينتج متراكبًا جديدًا أقوى كيميائيًا وميكانيكيًا.
واستطرد: تطوير" خطافات" كيميائية قوية فلم يتوقف الأمر عند تحضير الخليط فقط، بل طوّرت طريقة لمعالجته بمادتين الأولى بولي إيثيلين إيمين (مادة كاتيونية) تعمل على تحسين الثبات الميكانيكي وإضافة" أذرع" كيميائية جديدة، والثانية جلوتارالدهيد (مادة ثنائية الأطراف) تعمل كوسيط ربط قوي، يرتبط طرفها بالسطح المعدَّل والطرف الآخر بالإنزيم.
وأوضح أن هذا التعديل الذكي أضاف إلى سطح المادة" خطافات" كيميائية قادرة على الإمساك بالإنزيمات عبر روابط تساهمية – وهي أقوى أنواع الروابط الكيميائية، مما يضمن بقاء الإنزيم مرتبطًا بالمادة لفترة أطول، معلنًا أن النتائج المبهرة بالأرقام كشفت تمكن المتراكب الجديد من تحميل الإنزيم بنسبة 96% كفاءة عالية جدًا، وإعادة استخدامه 13 مرة متتالية مع احتفاظه بـ 90% من نشاطه، وبالمقارنة، المواد التقليدية كانت تفقد أكثر من نصف كفاءتها بعد بضع مرات فقط بعضها وصل إلى 20% فقط بعد 7 مرات.
وأكد أن الابتكار يعني خفضًا هائلًا في التكاليف للصناعات التي تعتمد على الإنزيمات، مثل إنتاج الأدوية، الصناعات الغذائية (مثل تحضير شراب الذرة ومنعمات الخبز)، معالجة المياه، التطبيقات البيئية، علاوة على ذلك، يمكن تشكيل هذه المادة الجديدة في صورة حبيبات، أقراص، أفلام، أو شرائح، مما يجعلها قابلة للاستخدام في تطبيقات صناعية متنوعة وبأشكال تناسب كل عملية.
وعدد مميزات الاختراع وتتضمن الاستفادة من مخلف بيئي بدلاً من حرق تفل الشاي أو رميه في المزابل، يُحوَّل إلى منتج ذي قيمة، انخفاض التكلفة الإجمالية استخدام الإنزيم 13 مرة يقلل الحاجة لشرائه كل مرة، وتعدد أشكال المتراكب حبيبات، أقراص، أفلام، شرائح – مرونة عالية للاستخدامات الصناعية، تطبيقات واسعة فلا يقتصر على إنزيم واحد، بل يمكن تطبيق نفس الطريقة على أي إنزيم آخر (صناعي، طبي، غذائي)، وإمكانية تنقية المياه بنفس الآلية، يمكن تعديل الحبيبات لترتبط بملوثات الماء بدلاً من الإنزيمات، مما يفتح مجالًا لتطبيقات بيئية.
وردًا على سؤال ما هي تكلفة هذا الاختراع وهل سيجعل المنتجات أغلى؟ أكد أن العكس تمامًا فالمادة الأساسية (تفل الشاي) مجانية عمليًا، والألجينات رخيص الثمن، والهدف الأساسي هو خفض التكلفة عبر تقليل استهلاك الإنزيمات الباهظة، وردًا على سؤال هل تفل الشاي المستخدم آمن.
أليس متعفنًا؟ ، أجاب بقوله: يتم أولاً غلي الشاي جيدًا لتعقيمه وإزالة الشوائب والصبغات، ثم تجفيفه وطحنه فالعملية معقمة وآمنة بالكامل، منوهًا أن الاختراع موجَّه للصناعة (أدوية، أغذية، معالجة مياه) وليس للاستخدام المنزلي المباشر، لكن تأثيره سيصل إلى المستهلك عبر منتجات أرخص وأفضل جودة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك