في الحروب الأهلية لا يُقاس انتصار الدول بعدد المدن التي تستعيدها جيوشها، بل بقدرتها على استعادة القانون معها.
فالدولة التي تعود إلى أراضيها حاملة مؤسساتها وقواعد العدالة تختلف عن قوة تنتصر في الميدان بينما يتراجع حضور القانون في المناطق التي عادت إلى سيطرتها.
خلال الأشهر الماضية شهدت مناطق استعادتها القوات المسلحة السودانية وقائع مؤلمة تناقلها السودانيون على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
فباسم ملاحقة من وُصفوا بـ«المتعاونين» مع قوات الدعم السريع، تعرّض بعض المواطنين لأعمال قتل وسحل وتعذيب خارج إطار القانون.
كما ظهرت تسجيلات مصورة تضمنت انتهاكات مروعة، من بينها التمثيل بالجثث وقطع الرؤوس و بقر البطون، في مشاهد أعادت إلى الأذهان صوراً ارتبطت بانهيار سلطة الدولة أكثر مما ارتبطت بعودتها.
لم تكن الصدمة في حجم العنف وحده، وإنما في الدلالة التي حملتها تلك الوقائع.
فعندما يصبح الاتهام بديلاً عن التحقيق، والاشتباه بديلاً عن الإثبات، والانتقام بديلاً عن القضاء، فإن المسافة بين الدولة واللادولة تبدأ في التقلص على نحو مقلق.
ويزداد الأمر تعقيداً مع استمرار الجدل حول تعريف «المتعاون» نفسه.
فإذا كانت الجهات “الرسمية” ما تزال تبحث عن ضبط هذا المفهوم قانونياً، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الأساس الذي استندت إليه الاتهامات والأحكام والإجراءات التي اتُّخذت خلال الفترة الماضية بحق من وُصفوا بهذه الصفة؟في كل الحروب تقريباً يجد المدنيون أنفسهم تحت سلطة الأمر الواقع.
بعضهم يُجبر على التعامل مع القوة المسيطرة حفاظاً على حياته أو مصدر رزقه، وبعضهم يؤدي خدمات لا يستطيع الامتناع عنها خوفاً من السلاح أو البطش.
ولهذا وضعت النظم القانونية معايير واضحة للتفريق بين التعاون الطوعي والمشاركة الفعلية في الأعمال العدائية من جهة، وبين الإكراه والاضطرار من جهة أخرى.
أما التوسع في توجيه التهمة لتشمل شرائح واسعة من المدنيين، فإنه يفتح الباب أمام تصفية الحسابات الشخصية والسياسية، ويحول القانون من وسيلة لتحقيق العدالة إلى وسيلة لبث الخوف.
غير أن المفارقة السودانية لا تقف عند هذا الحد.
ففي الوقت الذي يواجه فيه بعض المدنيين اتهامات قاسية بسبب شبهات أو ممارسات فرضتها ظروف الحرب، عاد إلى المشهد أفراد ارتبطت أسماؤهم بأحداث دامية وانتهاكات واسعة شهدتها مناطق مختلفة من البلاد.
وهي أسماء ظلت حاضرة في ذاكرة السودانيين كلما ذُكرت مآسي الجزيرة أو الخرطوم أو دارفور.
واللافت أن بعض هؤلاء لم يعودوا إلى المجال العام بوصفهم موضوعاً للمساءلة أو التحقيق، بل استُقبلوا بحفاوة أقرب إلى استقبال المنتصرين.
وهنا يبرز سؤال يصعب تجاوزه: كيف يمكن بناء ثقة عامة في العدالة عندما تبدو المعايير متباينة بين حالة وأخرى؟هذه ليست مسألة قانونية فحسب، بل قضية تمس الأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه الدولة.
فالعدالة لا تُقاس بقدرتها على معاقبة الضعفاء، وإنما بقدرتها على إخضاع الجميع للمعايير نفسها.
والدولة لا تُبنى بمنطق الثأر، بل بمؤسسات قادرة على حماية الحقوق وضمان المحاسبة وفق إجراءات عادلة وواضحة.
لقد دفع السودان ثمناً باهظاً لهذه الحرب.
ملايين النازحين واللاجئين، وآلاف الضحايا، وجراح عميقة أصابت النسيج الاجتماعي.
وما يحتاجه السودانيون اليوم ليس إنتاج دورات جديدة من الانتقام، بل ترسيخ فكرة الدولة التي يحتكم فيها الجميع إلى القانون، ويجد فيها الضحايا طريقاً إلى العدالة، ويشعر المواطن بأن حقوقه لا تتوقف على موقعه السياسي أو العسكري.
فالحروب تنتهي في نهاية المطاف، أما آثار الظلم فتظل حاضرة في الذاكرة الجمعية لأجيال طويلة.
وإذا كان السودان يريد أن يخرج من هذه المحنة دولة لا ساحة مفتوحة للصراعات، فإن البداية لا تكون إلا من مبدأ بسيط: لا إدانة بلا قانون، ولا مساءلة بلا معايير واضحة، ولا استقرار دائم من دون عدالة.
muhammedbabiker@aol.
co.
uk.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك