العربي الجديد - غزة | 4 شهداء وعشرات الإصابات بقصف إسرائيلي على جنوب القطاع وشماله Independent عربية - بيوت القاهرة المهدومة تنتقل إلى لوحات سحر الأمير قناة الجزيرة مباشر - Window from Lebanon | Rockets toward Upper Galilee and the occupation begins a ground operation o... Euronews عــربي - رئيس حزب الشعب الأوروبي يحذر: على الاتحاد الأوروبي التحرك قبل أن تشل الصين صناعاته القدس العربي - مفاوضات التهدئة في غزة تتواصل.. إسرائيل ترفض “تهدئة الميدان” الجزيرة نت - 3500 دولار لعبوة زيت محركات واحدة.. شلل يهدد مظاهر الحياة اليومية بغزة قناه الحدث - هزتان أرضيتان تضربان جزيرة يونانية العربي الجديد - لبنان | مقتل ضابط وجندي إسرائيلي وإنذارات بإخلاء مدينة صور ومحيطها قناة التليفزيون العربي - شهداء وجرحى في استهداف الاحتلال نقطة للشرطة في مواصي خانيونس جنوبي قطاع غزة قناة الجزيرة مباشر - بدء مراسم تشييع ضابطين في الجيش اللبناني
عامة

المحاكم ليست كافية: تأملات في حدود العدالة بعد الحرب في السودان (2

سودان تربيون
سودان تربيون منذ 1 ساعة

خطر تحويل العدالة إلى وعد مستحيلفي السودان، لا يعيش الضحايا فقط مع آثار الحرب والانتهاكات، بل يعيشون أيضاً مع الوعود التي تُقال لهم عن العدالة. فمع كل مجزرة أو انتهاك جديد، يتكرر الحديث عن القصاص ال...

خطر تحويل العدالة إلى وعد مستحيلفي السودان، لا يعيش الضحايا فقط مع آثار الحرب والانتهاكات، بل يعيشون أيضاً مع الوعود التي تُقال لهم عن العدالة.

فمع كل مجزرة أو انتهاك جديد، يتكرر الحديث عن القصاص الكامل، ومحاسبة الجميع، وكشف الحقيقة كاملة، وإنهاء الإفلات من العقاب بصورة نهائية.

وتبدو هذه الوعود مفهومة بل وضرورية أخلاقياً في لحظات الغضب والحزن، لأنها تمنح الضحايا شعوراً بأن المجتمع لم ينسَ معاناتهم، وأن حقوقهم ما زالت محل اهتمام واعتراف.

غير أن هذه اللغة تحمل خطراً لا يقل أهمية عن خطر الإفلات من العقاب نفسه.

فحين تُقدَّم العدالة بوصفها وعداً مطلقاً بمحاكمة جميع الجناة، وكشف كل الحقيقة، وإنصاف جميع الضحايا، ترتفع التوقعات إلى مستوى قد لا تستطيع أي مؤسسة تحقيقه، مهما بلغت استقلاليتها أو كفاءتها.

وتزداد هذه الفجوة وضوحاً في سياق مثل السودان، حيث ما تزال الحرب مستمرة، وحيث تعاني مؤسسات الدولة نفسها من آثار النزاع، وحيث يظل عدد الضحايا والانتهاكات أكبر بكثير من قدرة أي منظومة قضائية على التعامل معه بصورة كاملة.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح خطر الإحباط كبيراً عندما يكتشف الناس أن الواقع أكثر تعقيداً من الوعود التي سمعوها.

ولا تكمن المشكلة فقط في أن بعض الجناة قد لا يُحاكمون، أو أن بعض الجرائم قد لا تصل إلى المحكمة، بل أيضاً في أن كثيراً من الأسئلة التي يحملها الضحايا لن تجد إجابات كاملة داخل المسار القضائي وحده.

وعندما تُختزل العدالة كلها في المحكمة، فإن أي قصور أو تأخير أو عجز في هذا المسار قد يُفسَّر على أنه فشل للعدالة نفسها.

وهنا تظهر مفارقة مؤلمة.

فالمبالغة في الوعود باسم العدالة قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض الثقة فيها.

فكلما ارتفع سقف التوقعات إلى مستوى يستحيل تحقيقه، ازدادت احتمالات الشعور بخيبة الأمل عندما يصطدم الناس بالقيود القانونية والمؤسسية والعملية التي تحكم عمل المحاكم.

ولهذا فإن الصدق مع الضحايا لا يقتضي فقط الدفاع عن حقهم في العدالة، بل يقتضي أيضاً تجنب تقديم وعود لا تستطيع أي مؤسسة الوفاء بها بالكامل.

فالأمل الواقعي، مهما بدا أقل جاذبية من الوعود المطلقة، يظل أكثر احتراماً للضحايا من خلق توقعات يستحيل تحقيقها.

إن العدالة تحتاج إلى الأمل، لكنها تحتاج أيضاً إلى الصدق.

وعندما يتحول الأمل إلى وعد مستحيل، يصبح خطر الإحباط وفقدان الثقة جزءاً من المشكلة التي كان يفترض بالعدالة أن تعالجها.

ما الذي يبحث عنه الضحايا ولا تستطيع المحاكم تقديمه وحدها؟ ؟غالباً ما يُفترض أن ما يريده الضحايا بعد الانتهاكات الجسيمة هو رؤية الجناة وهم يُحاكمون ويُعاقبون.

ولا شك أن العقوبة تمثل مطلباً مهماً لكثير من الضحايا وأسرهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بجرائم ارتُكبت بقدر كبير من القسوة أو الإفلات من العقاب.

غير أن اختزال احتياجات الضحايا في العقوبة وحدها لا يعكس دائماً تعقيد التجربة الإنسانية التي يعيشونها.

فكثير من الضحايا لا يسألون فقط: هل سيُعاقب الجاني؟ بل يسألون أيضاً: هل سيُعترف بما حدث لنا؟ هل سيُصدق الناس روايتنا؟وتكتسب مسألة الاعتراف أهمية خاصة في السودان بسبب انتشار ثقافة الإنكار التي صاحبت هذه الحرب.

فمع كل اتهام بارتكاب مجزرة أو تعذيب أو عنف جنسي أو تهجير قسري، سارع كثير من المتورطين أو المؤيدين لهم إلى إنكار الوقائع أو التشكيك فيها أو التقليل من شأنها أو إلقاء اللوم على الضحايا أنفسهم.

ولا يقتصر أثر هذا الإنكار على تعطيل الوصول إلى الحقيقة، بل يضيف طبقة جديدة من الألم إلى معاناة الضحايا.

فالشخص الذي تعرض لانتهاك جسيم قد يجد نفسه مضطراً ليس فقط للتعايش مع ما حدث له، بل أيضاً للدفاع عن حقيقة حدوثه أمام من ينكرونه أو يشككون فيهولهذا السبب، فإن الاعتراف بالحقيقة لا يُعد مجرد خطوة إجرائية في طريق العدالة، بل هو في حد ذاته شكل من أشكال الإنصاف.

فالاعتراف يتطلب شجاعة أخلاقية من الجناة أو من المجتمعات التي دعمتهم أو سكتت عن أفعالهم، لأنه يعني مواجهة الوقائع كما حدثت لا كما نرغب في تذكرها.

أما الإنكار، فهو غالباً محاولة للهروب من هذه المواجهة.

ولهذا فإن الاعتراف، مهما كان مؤلماً، يفتح الباب أمام الحقيقة والمساءلة والتعافي، بينما يطيل الإنكار عمر الجرح ويؤخر إمكانية معالجته.

وفي السودان، تبدو هذه الأسئلة حاضرة بقوة في ظل الحرب الحالية.

فآلاف الأسر لا تزال تجهل مصير أقاربها، وآلاف الضحايا لم تتح لهم فرصة رواية ما تعرضوا له، كما أن كثيراً من الانتهاكات وقعت في ظروف تجعل توثيقها أو إثباتها أمام المحاكم أمراً بالغ الصعوبة.

وينطبق ذلك بصورة خاصة على ضحايا العنف الجنسي.

فآلاف النساء والفتيات لم يتمكنّ حتى اليوم من فتح أفواههن للحديث عما تعرضن له.

وبعضهن لم يستطعن إخبار أسرهن أو أقرب الناس إليهن بما حدث.

فهناك جرائم لا تُخفى عن المحكمة فحسب، بل تُدفن أحياناً في أعماق الضحايا أنفسهم، حيث يمنع الخوف أو الصدمة أو الوصمة الاجتماعية أو الخشية من الانتقام خروجها إلى العلن.

وفي مثل هذه الحالات، يصبح من الواضح أن ما يصل إلى المحكمة قد لا يمثل إلا جزءاً من الحقيقة الكاملة.

كما أن الضحايا لا يبحثون فقط عن العدالة المتعلقة بالماضي، بل يتطلعون أيضاً إلى المستقبل.

فهم يريدون أن يعرفوا ما إذا كانت الانتهاكات ستتكرر، وما إذا كانت المؤسسات التي أخفقت في حمايتهم ستتغير، وما إذا كانت الأجيال القادمة ستعيش المصير نفسه.

وهذه تطلعات مشروعة، لكنها تتجاوز في كثير من الأحيان ما تستطيع المحاكم تحقيقه من خلال أحكامها القضائية.

ولهذا فإن نجاح المحاكمة لا يعني بالضرورة أن جميع احتياجات الضحايا قد لُبِّيت.

فقد يُدان بعض الجناة بينما يبقى مصير المفقودين مجهولاً.

وقد تصدر أحكام قضائية مهمة بينما تظل روايات كثيرة غير مسموعة.

وقد تتحقق مساءلة جنائية جزئية دون أن يشعر الضحايا بأن معاناتهم قد فُهمت أو أُخذت على محمل الجد بالصورة التي كانوا يأملونها.

ولا ينتقص ذلك من أهمية المحاكم، بل يوضح فقط أن احتياجات الضحايا غالباً ما تكون أوسع من أن تُختزل في حكم قضائي.

فالعدالة التي يبحث عنها الناس بعد الحروب والانتهاكات الجماعية لا تتعلق بالعقوبة وحدها، بل تتعلق أيضاً بالحقيقة، والاعتراف، والكرامة، والذاكرة، وضمان عدم التكرار.

العدالة الجنائية لا تتحرك بسرعة الحرب ولا بسرعة معاناة الضحايامن أكثر مصادر الإحباط شيوعاً لدى الضحايا الاعتقاد بأن العدالة يجب أن تصل بالسرعة نفسها التي وقعت بها الجريمة.

فالحرب قد تدمر مدينة في أيام، وقد تقتل أو تُهجّر آلاف الأشخاص في أسابيع، وقد تغيّر حياة الضحايا إلى الأبد في لحظات قليلة.

أما العدالة الجنائية فتتحرك وفق إيقاع مختلف تماماً.

فالتحقيق في الجرائم الجسيمة لا يبدأ بإصدار الأحكام، وإنما بجمع الأدلة، والاستماع إلى الشهود، والتحقق من الوقائع، ومراجعة الوثائق، واختبار مصداقية الروايات المختلفة، وضمان حقوق المتهمين والضحايا في الوقت نفسه.

وكلما كانت الجريمة أكثر تعقيداً، ازدادت الحاجة إلى الوقت والموارد والخبرات اللازمة للتعامل معها.

ولإدراك حجم التحدي، يكفي أن نتأمل مسار قضية قتل عمد عادية أمام المحاكم السودانية.

ففي الظروف الطبيعية، قد تستغرق القضية أشهراً طويلة، وأحياناً سنوات، بين التحري، وجمع الأدلة، وسماع الشهود، والمحاكمة، والاستئناف.

وقد يحدث ذلك رغم أن الضحية معروفة، ومكان الجريمة معروف، والمتهم محدد، وعدد الوقائع محل النزاع محدود نسبياً.

فإذا كانت العدالة تحتاج إلى كل هذا الوقت للتعامل مع جريمة واحدة، فكيف يمكن توقع أن تتعامل بالسرعة نفسها مع آلاف الجرائم والانتهاكات التي خلفتها الحرب، خاصة عندما يكون الضحايا مشتتين، والشهود نازحين، والأدلة مفقودة أو متنازعاً عليها، وبعض مسارح الجرائم نفسها خارج نطاق الوصول؟وفي السودان، تتضاعف هذه التحديات بسبب الحرب نفسها.

فالحرب لا تُنتج الضحايا فحسب، بل تُضعف أيضاً المؤسسات التي يُفترض أن تحقق العدالة لهم.

فقد تعطلت بعض المحاكم والنيابات وأقسام الشرطة، وفُقدت أو دُمِّرت سجلات ووثائق مهمة، ونزح أو هاجر قضاة ووكلاء نيابة ومحامون وشهود، وأصبحت مناطق واسعة غير متاحة للوصول المنتظم أو جمع الأدلة.

وهنا تظهر فجوة أخرى بين التوقعات والواقع.

فالضحايا يعيشون آثار الانتهاكات كل يوم، بينما تتحرك المحاكم وفق إجراءات قد تستغرق سنوات طويلة.

وقد يُفسَّر هذا البطء أحياناً على أنه تجاهل أو تقاعس، بينما يكون جزء منه ناتجاً عن طبيعة العدالة الجنائية نفسها، التي تقوم على التحقق والتدقيق أكثر مما تقوم على السرعة.

ولا يعني ذلك أن البطء مقبول دائماً أو أن الأنظمة القضائية معفاة من النقد.

فالتأخير المفرط قد يتحول هو نفسه إلى شكل من أشكال الظلم.

غير أن المشكلة تكمن في الاعتقاد بأن المحاكم تستطيع أن تستجيب لحجم المأساة وسرعة وقوعها بالوتيرة نفسها.

فالحروب تنتج الضحايا بسرعة هائلة، أما العدالة الجنائية فتتحرك بخطوات أبطأ بكثير.

ولهذا فإن جزءاً من الإحباط الذي يرافق مسارات المساءلة لا يعود فقط إلى غياب العدالة، بل إلى الفجوة الزمنية بين سرعة وقوع الانتهاكات وسرعة استجابة المؤسسات القضائية لها.

بعد الحروب والانتهاكات الجماعية، يبدو مطلب محاكمة جميع الجناة مطلباً طبيعياً ومشروعاً.

فمن الصعب أن يتقبل الضحايا أو أسرهم فكرة أن بعض المسؤولين عن الجرائم قد لا يمثلون أمام المحكمة.

كما أن الدعوة إلى محاسبة الجميع تعكس رفضاً أخلاقياً للإفلات من العقاب، وتمسكاً بمبدأ المساواة أمام القانون.

غير أن المشكلة لا تكمن في مشروعية هذا المطلب، بل في القدرة العملية على تحقيقه.

فالحروب لا تنتج عدداً محدوداً من الجرائم أو الجناة، وإنما تنتج أعداداً هائلة من الوقائع والضحايا والشهود والمشتبه بهم، تمتد عبر مناطق جغرافية واسعة وخلال فترات زمنية طويلة.

وفي السودان، لا نتحدث عن حادثة واحدة أو مجموعة محدودة من القضايا، بل عن حرب امتدت عبر ولايات متعددة وخلفت أعداداً كبيرة من الضحايا.

كما أن كثيراً من الانتهاكات ارتُكبت في أماكن يصعب الوصول إليها، أو في ظروف تجعل التحقق منها وجمع الأدلة المتعلقة بها عملية معقدة للغاية.

وإذا كانت قضية قتل عمد واحدة قد تستغرق أشهراً أو سنوات بين التحري والمحاكمة والاستئناف، رغم معرفة الضحية ومكان الجريمة والمشتبه به، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن التعامل مع آلاف أو عشرات الآلاف من الوقائع المشابهة أو الأكثر تعقيداً؟ولا يتعلق الأمر بعدد القضايا وحده، بل بطبيعة الانتهاكات نفسها.

فبعض الجرائم ارتُكبت بصورة جماعية، وبعضها وقع في سياق عمليات عسكرية واسعة النطاق، وبعضها الآخر يمتد أثره إلى مناطق متعددة وعدد كبير من الضحايا والجناة المحتملين.

وكل ذلك يجعل التحقيق والمحاكمة أكثر تعقيداً مما هو عليه في القضايا الجنائية العادية.

ولهذا السبب، لم تعرف أي تجربة في العالم استطاعت محاكمة جميع المسؤولين عن الانتهاكات الجماعية.

ففي كل التجارب تقريباً، اضطرت المؤسسات القضائية إلى التركيز على بعض القضايا أو بعض المسؤولين أو بعض أنماط الجرائم التي تمثل أكبر قدر من الخطورة أو المسؤولية.

ولا يعني ذلك التخلي عن العدالة أو القبول بالإفلات من العقاب، بل يعني الاعتراف بواقع لا يمكن تجاهله.

فالمحاكم تستطيع محاسبة بعض الجناة، لكنها لا تستطيع عملياً محاكمة الجميع.

وهي تستطيع أن تكشف جزءاً من الحقيقة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحتوي الحجم الكامل للمأساة.

ومن هنا لا يصبح السؤال: كيف نحاكم الجميع؟ بل كيف نحقق أكبر قدر ممكن من العدالة في مواجهة عدد هائل من الانتهاكات يفوق قدرة أي نظام قضائي على التعامل معه بصورة كاملة؟ماذا يعني ذلك بالنسبة للسودان الان؟إذا كان ثمة درس يمكن استخلاصه من كل ما سبق، فهو أن السودان يحتاج إلى توسيع فهمه للعدالة، لا إلى التخلي عنها.

فالمشكلة ليست في أن الناس يطالبون بالكثير من العدالة، بل في أن العدالة كثيراً ما تُختزل في أداة واحدة، ويُطلب من هذه الأداة أن تحقق ما لا تستطيع تحقيقه بمفردها.

فالمحاكم تظل ضرورية، ليس فقط لأنها تحاسب بعض الجناة، بل لأنها تؤكد مبدأ مهماً مفاده أن الجرائم الجسيمة لا ينبغي أن تمر دون مساءلة.

غير أن ما تكشفه التجارب المختلفة، وما تشير إليه أيضاً التجربة السودانية، هو أن المحاكم وحدها لا تستطيع حمل جميع الأعباء التي تتركها الحروب والانتهاكات الجماعية.

فإذا كانت المحاكم قادرة على تحديد المسؤولية الجنائية، فإن هناك أسئلة أخرى تحتاج إلى أدوات مختلفة.

وإذا كانت قادرة على إدانة بعض الجناة، فإن هناك ضحايا يحتاجون إلى أكثر من الإدانة.

وإذا كانت قادرة على إصدار الأحكام، فإن هناك مجتمعات بأكملها تحتاج إلى فهم ما حدث لها وكيف حدث ولماذا حدث.

؛ ولهذا فإن السودان يحتاج إلى معرفة الحقيقة بقدر حاجته إلى العقوبة، وإلى الاعتراف بالضحايا بقدر حاجته إلى إدانة الجناة، وإلى فهم أسباب العنف بقدر حاجته إلى تحديد المسؤولين عنه.

كما يحتاج إلى الكشف عن مصير المفقودين، وتوثيق ما جرى، وحفظ الذاكرة الجماعية، والاستماع إلى الأصوات التي لم تجد طريقها إلى ملفات القضايا أو قاعات المحاكم.

ويحتاج السودان كذلك إلى مواجهة الأسئلة الصعبة التي لا تستطيع المحاكم الإجابة عنها وحدها: لماذا حدثت تلك الكارثة؟ وكيف انتشر خطاب الكراهية؟ وكيف أصبح التجريد من الإنسانية أمراً مقبولاً في بعض السياقات؟ ولماذا أخفقت المؤسسات في حماية المدنيين؟ وما الذي ينبغي تغييره حتى لا تتكرر هذه المأساة مرة أخرى؟ وغيرها من عشرات الاسئلة الصعبة.

كما أن الحرب لم تخلّف ضحايا فحسب، بل خلّفت أيضاً جروحاً عميقة في العلاقات الاجتماعية، أحياناً حتى بين الجيران وأفراد المجتمع الواحد، وخلّفت ذكريات متنازعة ومشاعر خوف وغضب وفقدان وانعدام ثقة لا يمكن معالجتها جميعاً داخل قاعة المحكمة.

ويحتاج السودان كذلك إلى قدر من التواضع في الحديث عن العدالة.

فليس من الصدق أن نعد الضحايا بأن جميع الجناة سيُحاكمون، أو أن كل الحقيقة ستنكشف، أو أن كل الجراح ستلتئم من خلال المحاكم وحدها.

لكن ليس من الصدق أيضاً أن نقبل بالإفلات من العقاب أو أن نتعامل مع الجرائم وكأنها مجرد صفحة يمكن طيها.

وما بين هذين الطرفين تكمن المهمة الأصعب: البحث عن أكبر قدر ممكن من الحقيقة، وأكبر قدر ممكن من المساءلة، وأكبر قدر ممكن من الإنصاف، مع الاعتراف في الوقت نفسه بحدود ما تستطيع أي مؤسسة تحقيقه بعد كارثة بهذا الحجم.

ولعل الخطر الأكبر لا يكمن في الإيمان بالمحاكم، بل في الاعتقاد بأنها تستطيع وحدها أن تحمل كل ما خلفته الحرب من آلام وأسئلة وآمال.

فكلما اتسعت المأساة، ازدادت الحاجة إلى استجابة أوسع من أن تحتويها مؤسسة واحدة أو مسار واحد.

إن المحاكم جزء من الإجابة، لكنها ليست الإجابة كلها.

والعدالة في السودان، إذا أُريد لها أن تكون أكثر صدقاً وأكثر قدرة على الاستمرار، ينبغي أن تبدأ من هذه الحقيقة لا أن تنتهي إليها.

فالعدالة في نهاية المطاف ليست فقط مسألة عقوبة ومسؤولية جنائية، بل هي أيضاً مسألة كرامة إنسانية واعتراف بالضحايا وحماية لذاكرتهم من النسيان أو الإنكار.

فالعدالة لا تُقاس فقط بما يحدث للجناة، بل أيضاً بما يحدث للضحايا.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك