ليس عيد الجلوس الملكي مجرد مناسبة بروتوكولية تتكرر في الذاكرة الوطنية، بل هو محطة سيادية تستحضر فيها الدولة مسيرةً حافلة بالتحديات والتحولات، وتراجع فيها منجزاتها على ضوء الثوابت التي قامت عليها.
هو يوم تختزل فيه الحكاية الأردنية بين قيادةٍ حملت الأمانة، وشعبٍ صان العهد، ووطنٍ اختار أن يبني رغم صخب الإقليم وما حملته رياحه من أعباءٍ أثقلت مسارات التنمية، وعرقلت اندفاعها.
وفي هذا اليوم، لا يُحتفى بالزمن بقدر ما يُحتفى بالفعل، ولا يُستعاد الماضي إلا بوصفه أساسًا لانطلاقة متجددة نحو المستقبل؛ حيث تتجلى سِمَة الإنجاز عنوانًا لمرحلة، وهويةً لدولة.
وفي هذه المناسبة الوطنية، يستحضر الأردنيون عيد الجلوس الملكي، يوم تولّي جلالة الملك عبدالله الثاني مسؤولياته الدستورية، بما حمله من رؤيةٍ استشرافيةٍ دقيقة، جعلت من الإنجاز مسارًا، ومن الدولة مشروعًا متواصل البناء.
والأردنيون، وهم يحتفون بهذه المناسبة، إنما يعظّمون مكانة نظامهم السياسي، ويؤكدون صدق مشاعرهم تجاه الأسرة الهاشمية التي عبرت بسفينة الوطن إلى برّ الإنجاز، رغم تلاطم أمواج الإقليم التي استنزفت الطاقات واستهدفت الموارد على حساب برامج التنمية الاقتصادية والمعيشية.
لقد رافقت مسيرة حكم جلالة الملك عبدالله الثاني تحديات جسيمة، تمثّلت في حروب إقليمية عصفت بدول الجوار، في العراق وسوريا، إلى جانب ثقل القضية الفلسطينية بأبعادها السياسية والإنسانية، فضلًا عن متغيرات «الربيع العربي»، والتحديات الأمنية المرتبطة بخطر الإرهاب.
كما جاءت تداعيات التوترات الإقليمية، من حرب غزة إلى التوترات مع إيران، لتلقي بظلالها الثقيلة على المنطقة، فزادت من حدة التجاذبات السياسية والعسكرية، وأثّرت في حركة التجارة الدولية، وانعكست على الواقعين المعيشي والأمني.
وفي خضم هذه التحديات، أصبحت أولوية الدولة حماية الوطن وصون أمن الإنسان ومقدراته، الأمر الذي رفع الكلف وأبطأ وتيرة التنمية.
ومع ذلك، استطاع جلالة الملك أنيؤسس معادلة استراتيجية متوازنة، تجمع بين البعد الوقائي الاحترازي، وبناء منظومة اقتصادية آمنة تعزز مسيرة التنمية وتحميها؛ وهي معادلة استثنائية كرّست جلالته رجلًا للإنجاز كما هو رجل للسلم والأمان.
وعلى الرغم من استمرار الضغوط، أطلق جلالته رؤاه التنموية عبر الأوراق النقاشية الملكية، وحرص على متابعة تنفيذها لتكون خارطة طريق للإصلاح والبناء، قائمة على تحقيق الإنجاز رغم التحديات، وبناء منجزٍ تراكمي في مختلف الميادين.
وقد رسّخ جلالته النهج الديمقراطي، وعزّز المشاركة الشعبية، واحتضن التعددية دون إقصاء أو تهميش، ليقدّم نموذجًا لمرجعيةٍ حامية للدستور، جامعةٍ لقيم المواطنة، وموازِنةٍ بين الأمن والحرية، والتنمية والاستقرار.
كما شهدت المملكة مشاريع استراتيجية في مختلف القطاعات، من السياحة والتعليم إلى الصحة والزراعة والصناعة، إلى جانب تمكين الشباب وتعزيز دورهم بقيادة سمو ولي العهد، بما أسهم في ترسيخ حضور أردني مشرّف على مختلف الساحات.
أما أمنيًا وعسكريًا، فقد أصبحت المؤسسات الأردنية نموذجًا إقليميًا ودوليًا يُحتذى، فيما رسّخت الدبلوماسية الأردنية حضورها بثقل ومصداقية، واضعة القضية الفلسطينية والقدس في صدارة أولوياتها، ضمن رؤية هاشمية متجذرة في التاريخ والشرعية.
وهذا ما جعل من عيد الجلوس لا يقاس بعدد الأعوام التي مضت، بل بحجم ما تحقق فيها من إنجاز، وبقدرة الدولة على الثبات في وجه العواصف دون أن تفقد بوصلتها.
وهنا تتجلى خصوصية التجربة الأردنية التي لم تنكسر أمام التحديات، بل أعادت تشكيلها لتكون وقودًا للإنجاز.
إن سِمَة الإنجاز التي وسمت عهد جلالة الملك عبدالله الثاني لم تكن وليدة ظرفٍ عابر، بل نتاج رؤيةٍ عميقة، وإرادةٍ صلبة، ونهجٍ تراكمي يقوم على تحويل التحديات إلى فرص، والموارد المحدودة إلى قصص نجاح.
وعليه، فإن الأردنيين، وهم يجدّدون عهدهم في هذه المناسبة والمناسبات الوطنيه التى ابتدات ب" يوم العلم ومن ثمه عيد الاستقلال وصولا لعيد الجلوس الملكي" فانهم لا يعلنون ولاءً عاطفيًا فحسب، بل يؤكدون انتماءً واعيًا لمشروع دولة ويجددون التزامهم بالمضي قدمًا في مسيرة الإنجاز، خلف قيادةٍ جعلت من الاستقرار قوة، ومن التحدي فرصة، ومن الوطن قصة نجاح تُروى بالفعل لا القول.
وكل عام والأردن، بقيادته الهاشمية، يمضي من إنجازٍ إلى إنجاز، ومن ثباتٍ إلى مجدٍ يتجدّد، في عهد ملكٍ جعل من الإنجاز عنوانًا، ومن الدولة نموذجًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك