في مونديال 2026، لن تكون العيون على النجوم وحدهم.
خلف المنتخبات الكبرى، يقف مدربون يعرفون أن البطولة قد تختصر سنوات من العمل في قرار واحد.
أنشيلوتي مع البرازيل، توخيل مع إنكلترا، وديشان مع فرنسا.
ثلاثة أسماء كبيرة أمام اختبار لا يقاس بالمباريات فقط، إنما بثقل التاريخ والانتظار والوداعفي كأس العالم، لا يقف الضغط عند أقدام اللاعبين وحدهم.
خلف كل منتخب مرشح، هناك مدرب يعرف أنّ البطولة قد تختصر سنوات من العمل في قرار واحد، أو تبديل متأخّر، أو قراءة خاطئة لمباراة إقصائية.
لذلك، لا يدخل بعض المُدرّبين مونديال 2026 وهم يحملون خططهم الفنية فقط، إنّما يحملون أيضًا أسئلة الجمهور، وتوقّعات الإعلام، وذاكرة إخفاقات قريبة أو أحلامًا تأخر تحقيقها.
ضمن هذا المشهد، تبدو أسماء كارلو أنشيلوتي وتوماس توخيل وديدييه ديشان في الواجهة.
الأول يقود البرازيل في مهمة إنهاء انتظار طويل للقب السادس، والثاني يدخل مع إنكلترا في محاولة جديدة لكسر عقدة كبرى امتدت منذ 1966، أما الثالث فيخوض محطته الأخيرة مع فرنسا بعد حقبة طويلة جعلته أحد أكثر المدربين نجاحًا في تاريخ المنتخبات.
الضغط هنا لا يصنعه حجم المنتخبات وحده، إنما طبيعة اللحظة.
البرازيل تريد استعادة صورة البطل العالمي بعد 24 عامًا من الغياب عن منصة التتويج، وإنكلترا تملك جيلًا غنيًا لكنها لا تزال تبحث عن اللقب الثاني، وفرنسا تدخل البطولة وهي تعرف أن مونديال 2026 سيكون الفصل الأخير في مسيرة ديشان على رأس منتخب" الديوك".
مونديال المدربين قبل صافرة البدايةتفرض النسخة الموسّعة من كأس العالم تحديًا مختلفًا على المدربين.
فالبطولة لا تبدأ فقط بمجموعات أكبر وخريطة سفر أوسع، إنّما بإدارة بدنية ونفسية مُعقّدة، وسط تنقّل بين مدن ومسافات ومناخات مختلفة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
وفي بطولة بهذا الحجم، لا يكفي أن يملك المدرب مجموعة قوية؛ عليه أن يعرف كيف يُحافظ عليها، ومتى يُدوّر، ومتى يُغامر، ومتى يترك النجوم خارج المشهد إذا اقتضت مصلحة الفريق ذلك.
من هنا، يُصبح الضغط على المُدرّبين الكبار مُضاعفًا.
فالمطلوب منهم ليس التأهّل من الدور الأول فقط، إنّما تقديم صورة مُقنعة منذ البداية، وتجنّب الإنهاك، وإدارة غرف ملابس مزدحمة بالنجوم، والتعامل مع جماهير لا ترى في المشاركة إنجازًا.
بالنسبة إلى البرازيل وإنكلترا وفرنسا، يبدأ سقف الطموح عادة من نصف النهائي على الأقل، وما دون ذلك قد يُقرأ بوصفه فشلًا.
أنشيلوتي.
عبء البرازيل لا يشبه أي عبءقد يكون كارلو أنشيلوتي من أكثر المدربين تتويجًا وخبرة في كرة القدم الحديثة، لكنّ تدريب البرازيل في كأس العالم يضعه أمام نوع مختلف من الضغط.
فهنا لا تكفي السيرة الذاتية، ولا تكفي ألقاب دوري الأبطال، ولا تكفي هدوء الشخصية الإيطالية الشهيرة.
في البرازيل، يبقى السؤال واحدًا: هل يعيد" السيليساو" إلى القمة؟منذ لقب 2002، عاشت البرازيل مونديالات متتالية بين الخروج المؤلم والخيبة الثقيلة.
ومع كل نسخة، كبر الشعور بأنّ المنتخب الأكثر حضورًا في تاريخ كأس العالم فقد شيئًا من سطوته القديمة.
لذلك، يأتي أنشيلوتي إلى مونديال 2026 في لحظة تجمع بين الأمل والقلق؛ أمل في مدرب يعرف إدارة النجوم، وقلق من فريق لا يبدو مكتملًا في كل خطوطه.
تزيد عودة نيمار إلى الصورة من تعقيد المشهد.
فاللاعب الذي ظلّ طويلًا رمزًا لجيل برازيلي كامل يدخل البطولة وهو مُحاصر بأسئلة اللياقة والإصابات والقدرة على استعادة اللمسة الحاسمة.
وقد أثارت دعوته المتأخّرة جدلًا واسعًا، خصوصًا أنّه لم يكن جزءًا ثابتًا من خيارات أنشيلوتي السابقة، وعاد إلى قائمة البرازيل وسط شكوك بدنية وفنية.
اختبار أنشيلوتي لا يقتصر على اختيار الأسماء.
فالبرازيل تملك حلولًا هجومية قوية، من فينيسيوس جونيور إلى رافينيا وماتيوس كونيا وإندريك، لكنّها تطرح أسئلة في التوازن الدفاعي، وفي مركز الظهيرين، وفي قدرة الوسط على حماية الفريق عندما ترتفع جودة الخصم.
لهذا، سيكون على المُدرّب الإيطالي أن يصنع شيئًا لا يُقاس بالنجوم فقط: بنيّة لعب واضحة.
ويفتتح منتخب البرازيل مشواره أمام المغرب، في مباراة تحمل قيمة خاصة لأنها تأتي ضد منتخب أثبت في مونديال 2022 أنّه قادر على إرباك الكبار.
بعدها يُواجه هايتي وإسكتلندا، لكن البداية تحديدًا قد تحدد المزاج العام حول البرازيل وأنشيلوتي.
فالفوز يمنح المشروع هدوءًا، أما التعثر فسيحوّل كل تفصيل إلى سؤال.
توخيل.
إنكلترا تبحث عن لقب لا عن أعذارفي إنكلترا، لا يحتاج الضغط إلى صناعة إعلامية إضافية.
هو موجود دائمًا، يتجدّد مع كل بطولة، ويكبر كلما امتلك المنتخب جيلًا جيدًا.
لذلك، يدخل توماس توخيل مونديال 2026 وهو يعرف أنّ مهمته لا تُشبه مهمّة مدرب يُريد فقط بناء فريق للمستقبل.
إنكلترا تريد الآن، لا لاحقًا.
تملك إنكلترا قائمة قادرة على الذهاب بعيدًا، وفي مقدمتها هاري كين وجود بيلينغهام وبوكايو ساكا وديكلان رايس وآخرون.
لكنّها تدخل البطولة أيضًا وسط تساؤلات عن الاختيارات، وعن الانسجام، وعن قدرتها على الفوز بالمباريات الكبرى.
فالتأهل السهل لا يكفي لإقناع جماهير انتظرت ستة عقود منذ لقب 1966، ولا يكفي لإزالة الشكوك التي تراكمت مع أداء غير مستقر في بعض المحطات الأخيرة.
العامل البدني يُضيف طبقة جديدة من الضغط.
فقد تحدّث توخيل قبل البطولة عن الحرارة والرطوبة بوصفهما تحديًا يجب التعامل معه، لا ذريعة مُسبقة، خصوصًا مع خوض إنكلترا معسكرًا تحضيريًا في فلوريدا للتأقلم مع الظروف المناخية.
في نسخة تُقام بين مدن مختلفة وظروف متباينة، تُصبح إدارة الطاقة جزءًا من الخطة التكتيكية نفسها.
ما يزيد صعوبة مهمة توخيل أنّه يأتي إلى منتخب لا يقبل جمهوره التدرّج الطويل.
فكل مباراة ستُقرأ من زاوية اللقب، وكل اختيار سيُقارن بأسماء مُستبعدة، وكل تبديل سيُعاد تحليله وفق عقدة إنكلترا التاريخية في البطولات الكبرى.
ومع وجود كرواتيا في المجموعة، يُصبح الاختبار الافتتاحي أكثر حساسية، لأنّ المُنافس يعرف جيدًا كيف يُحوّل التفاصيل الصغيرة إلى لحظات مُؤلمة للإنكليز.
توخيل مُدرّب يعرف مباريات الإقصاء، ويعرف إدارة الفرق الكبرى، لكنّه الآن أمام بيئة مختلفة: لا سوق انتقالات، لا وقت طويل للتصحيح، ولا فرصة لتعويض خسارة كبيرة بسهولة.
في كأس العالم، قد يربح المدرب ثقة بلد كامل في أسبوعين، وقد يخسرها في ليلة واحدة.
ديشان.
الفصل الأخير في حقبة طويلةيختلف ضغط ديدييه ديشان عن ضغط أنشيلوتي وتوخيل.
فهو لا يأتي إلى البطولة لإثبات أنّه مدرب كبير، فقد فعل ذلك سابقًا.
قاد فرنسا إلى لقب مونديال 2018، وبلغ نهائي 2022، وفاز بدوري الأمم الأوروبية، وراكم حقبة يصعب فصلها عن تاريخ المنتخب الحديث.
لكن مونديال 2026 يحمل معنى مختلفًا لأنّه سيكون محطته الأخيرة مع فرنسا.
هنا، يُصبح الضغط عاطفيًا وفنيًا في الوقت نفسه.
ديشان يُريد أن يُغادر من القمة أو قريبًا منها، وفرنسا تُريد ألا يتحوّل الوداع إلى نهاية باهتة.
ومع حضور كيليان مبابي في قلب المشروع، وامتلاك المنتخب أسماء هجومية ودفاعية من الطراز الأول، تبدو التوقّعات مُرتفعة كعادتها.
لكنّ جودة القائمة لا تُلغي الأسئلة التي تُلاحق ديشان منذ سنوات: هل يمنح فرنسا ما يكفي من الحرية؟ وهل يستطيع أن يُوازن بين الوفرة الهجومية وحذره التكتيكي المعروف؟وقعت فرنسا في مجموعة تضمّ السنغال والنرويج والعراق، وهي مجموعة تجمع بين الذاكرة والخطر.
فالسنغال تحمل تذكيرًا صعبًا بمفاجأة 2002، والنرويج تأتي بتهديد واضح عنوانه إرلينغ هالاند، فيما يدخل العراق البطولة بروح الباحث عن مفاجأة في مجموعة ضخمة الأسماء.
بالنسبة إلى ديشان، لا يتعلّق الأمر بالنتيجة وحدها، إنّما بالصورة التي سيتركها.
فقد بنى منتخبًا قويًا في البطولات، حتى حين لم يكن الأداء ممتعًا دائمًا.
يعرف كيف يُغلق المساحات، كيف ينتظر لحظة مبابي، وكيف يُحوّل التفاصيل إلى نتائج.
لكنّ الخطر أن يتحوّل الأسلوب نفسه إلى عبء إذا احتاجت فرنسا إلى مبادرة أكبر، أو إذا واجهت خصمًا يفرض عليها الخروج من منطقة الأمان.
لهذا، يبدو مونديال 2026 كأنّه امتحان أخير لفلسفة كاملة.
إذا نجحت فرنسا، سيُغادر ديشان بوصفه رجل البطولات الكبرى.
وإذا تعثّرت مبكرًا، ستعود الأسئلة القديمة عن الحذر والاختيارات والفرصة التي ربما لم تُستثمر بما يكفي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك