تحول الفنانة التشكيلية سحر الأمير الجداريات التي تبقت من المباني التي تم هدمها لأجل توسعة الطريق الدائري في القاهرة، إلى مصدر إلهام للوحاتها الجديدة.
فمن قصّ تلك المباني اختارت الفنانة عنوان معرضها المثير، الذي يكسر عزلة الفنان المعاصر عن القضايا اليومية.
ولا تغيب عن زائر المعرض رسائل ترغب في إيصالها عبر اشتباكها مع الواقع، ويتجلى ذلك بوضوح عبر اللوحة القماشية المعلقة في شرفة قاعة العرض، وتبدو أقرب إلى نداء ترسله للمارين في الشارع: " هيا ادخلوا وشاركونا".
استلهمت الأمير فكرة اللوحة المعلقة من معرض شاهدته في إيطاليا، وأرادت تطبيقها في مصر، وباشرت تنفيذها في معرضها الحالي.
تبدأ النهار بإفراد لوحتها القماشية، لكنها ترفعها عند حلول المساء.
غير أن اللوحة تلفت أنظار المارة، وبعضهم يتوقف لالتقاط الصور التذكارية بهواتفهم المحمولة، أو يقتنصون الوردة الطبيعية التي تضعها الفنانة يومياً، في قلب اللوحة بغرض مقاومة القبح في الواقع.
درست سحر الأمير فن الحفر في جامعة الإسكندرية، ثم حصلت على منحة للدراسة في الأكاديمية المصرية للفنون في روما.
وظلت هناك أعواماً عدة إلى أن عادت وانخرطت في الحركة التشكيلية، وقدمت عشرات المعارض الفردية والجماعية.
وحصلت على جائزة صالون الشباب في الرسم والتصوير، وجائزتين في كتب الأطفال من الهيئة العامة للكتاب ومؤسسة" اليونيسكو".
وشاركت في كثير من المعارض الجماعية في مصر وإيطاليا، وبيناليات طشقند - أوزبكستان، وسابورو - اليابان، والولايات المتحدة.
تمثل العلاقة مع الخامات مفتاحاً مهماً لتناول تجربة الفنانة، فعلى امتداد تاريخها لم تستسلم لخامة واحدة، وظلت تراهن على التجريب والسعي لاستكشاف آفاق جديدة لتجاربها.
وهذه المرة تفوز الخامة القماشية بنصيب الأسد من بين لوحات المعرض التي تتفاوت في أحجامها، وتتنوع ما بين لوحات رأسية وأخرى أفقية ذات مقاسات متنوعة، وكلها تقريباً رُسمت من منظور عين الطائر.
بدأت الأمير مسيرتها باستعمال الخامات المعتادة مثل الكانفاس أو الورق الذي يجري تحضيره، ثم اتجهت إلى العمل على القماش المعالج، الذي يجري اختبار تفاعلاته مع كيمياء الألوان، في تجارب عدة قبل العرض على الجمهور.
وساعدت أيضاً دراسة فن الحفر على إدراك أسرار اللون والفرص التي تتاح عبر الطباعة بمختلف أنواعها، وزاد ذلك من خبراتها في فهم المعالجات الكيماوية.
في معرضها الحالي" بيوت مقصوصة" تبرز الخياطة على القماش كتقنية رئيسة تراها الأمير جزءاً من سعيها إلى تأكيد الطابع النسوي في مشروعها الفني، إذ تقوم بحياكة قماش اللوحة قبل تحضيرها، استجابةً لأسطورة عرفتها من عادات السيدات في بعض بلدان أميركا الجنوبية خلال أزمنة الحروب الأهلية، فقد كانت كل أم تفقد ابنها في الحرب تنسج غطاء من ملابسه ليغطيها كلما دخلت إلى السرير، بغية أن تبقي رائحته حية في شميمها إلى الأبد.
أما الأمير، فقامت بتجربة مماثلة، وأعادت تدوير ملابسها القديمة عبر تشكيلها في أغطية تقوم بتلوينها، إذ لا تستطيع الاستغناء عن الفرشاة.
وانطلاقاً من تلك التجارب، اتجهت نحو ابتكار أعمال تركيبية تجمع الحياكة مع الكولاج والورق والرسم بالفرشاة، وبالذات حول الأشكال الشائعة في تطريز الأثواب الفلسطينية، وهي تجارب أكدت نزعتها النسوية، وهي لا تزال تنظر إلى التطريز نفسه كعمل نسوي بامتياز.
في لوحات معرضها الجديد لجأت إلى دمج خامات متنوعة بهدف ترصيع لوحاتها التي استلهمتها من عبورها اليومي، على الطريق الدائري حول ضاحية المعادي، حيث تعيش.
وبفضل مشاويرها اليومية، انتبهت إلى أن المباني التي تم هدمها بالبلدوزرات، أصبحت بيوتاً مقصوصة، أو هكذا تبدو مبتورة أمام العابرين، لكن الجدران في الداخل تحمل كثيراً من الذكريات والجماليات التي تثير الاهتمام، وتدفع إلى البحث وراء الحيوات التي لم تعد موجودة، على رغم ما احتفظت به من ألوان ورسوم وزخارف دفعتها إلى بث الحياة فيها من جديد، عبر إعادة تشكيل قيمها البصرية وفق تصور يلائم خياراتها الفنية.
استكمالاً لهذا الانحياز يتجلى في اللوحات حضور" أبراج الحمام" في اللوحات، بتكويناتها الرأسية التي تؤكد قيمة الفراغ حولها.
وتلح على العلاقة مع الهواء أو تغييرات الأضواء وهي تنعكس عليها، في استجابة تدفع إلى تأمل ما في التكوين من نزعات فطرية تحافظ على ما تسميه الأمير" طفولة اللوحة".
وهناك بعض اللوحات المتوسطة الحجم، تطغى عليها العناصر الغنائية وبعض أشكال السرد البصري التتابعي، مع التركيز على موتيفات وعناصر بصرية ولونية متكررة مثل" العصافير" أو الورود والأسماك، رغبة منها في إعادة بناء اللحظة والارتباط بأشكال التصوير الشعبي.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وعلى رغم حرصها على إبراز النزعة النسوية في أعمالها، يبدو واضحاً في الأعمال، الغياب المتعمد للأجساد، فاللوحات تظهر كائنات أقرب إلى الفقاريات الزاحفة أو التماسيح ودببة الكهوف، وكلها مستلهمة من ذاكرة إنسان الكهف الذي خاض رحلته في التآلف مع تلك الكائنات، وأتاحت تلك الألفة للفنانة خلق نمط من الغرائبية يطغى على أعمالها.
من جهة أخرى، تماثل خطوط لوحات سحر الأمير أشكال التحريف في الرسم البدائي، على رغم حرصها على إخضاع اللوحة إلى بناء هندسي متكامل، كذلك احتفظت ألوانها بطابعها الساطع، وغالبها مستمد من ألوان الشمس، وهي ألوان ساخنة بطبيعتها، مع التأطير باللون الأسود أو الذهبي، وهو إجراء فني يضاعف من حال الغرابة الناتجة من" فانتازيا اللون" التي تسعى الفنانة إلى تأكيدها دائماً.
وعلى رغم ما يستشعره البعض من ازدحام لوحات سحر الأمير بكثير من العلامات أو الموتيفات، فإنها تناصر هذا الزحام ولا تنفيه.
وتؤكد أن لوحاتها صدى للعشوائية التي تحكم حركة الناس في واقعهم اليومي، لكن اللوحة تتسم في المقابل بقدر كبير من الاتزان والحرفية والمهارة المستمدة من وعيها بعمليات بناء اللوحة وتشكيلها، لذلك تخضعها لما تسميه" قوانين الفوضى المنظمة"، فتبدو مستندة إلى بناء محكم ومتزن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك