يظن الكثير أن تصميم المنزل هو مجرد شكل جمالي.
ولكنه، في الحقيقة، أهم من ذلك بكثير.
فهو يؤثر بشكل مباشر على نفسية وسلوك أفراد الأسرة.
وبالتالي، أي تفصيلة غير مدروسة في ذلك التصميم سوف تزيد من حدة توتر وقلق وغضب الساكنين، ما يولد خصومات ما بينهم، إلى درجة أنه يمكن لتصميم المنزل السيئ أن يكون سببا غير مباشر في طلاق الأزواج.
في هذا الإطار، يؤكد محمد الأمين بودراف، مهندس معماري، مهتم بالجانب الإنساني للعمارة، متخصص في التصميم السكني وإشراف التنفيذ وصاحب قناة AA+Studio، على مواقع التواصل الاجتماعي، أن العمارة تعد أكثر من مجرد جدران وأسقف.
إنها الوعاء الذي يحتوي الإنسان.
وإذا فشل هذا الوعاء في استيعاب الطبيعة البشرية، فإنه يتحول إلى مصدر خفي للتوتر المزمن.
قد يبدو الربط بين مخطط المنزل ونسب الطلاق مبالغا فيه للوهلة الأولى، يضيف محدثنا، لكن الدراسات في علم عمارة الأعصاب (Neuro-architecture ) تؤكد أن الفراغ السيئ يضع الجهاز العصبي في حالة تأهب دائم.
عندما يفتقر المنزل إلى الخصوصية السمعية أو البصرية، يرتفع هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر)، ما يجعل الاستجابات العاطفية بين الزوجين أكثر حدة وعدوانية.
البيت الضيق ليس ضيق المساحة فقط، بل ضيق الحلول التصميمية التي تخنق ساكنيه.
وفي هذا السياق، يوضح المهندس محمد الأمين بودراف، أفظع الأخطاء التصميمية التي يمكن أن ترفع من وتيرة المشاحنات والخلافات بين الزوجين، أو أفراد الأسرة عموما:ـ1 انعدام الملاذ: من أكبر الأخطاء، التصميم الذي لا يوفر زاوية للانفراد.
الإنسان يحتاج فطريا إلى ما يسمى الرؤية والملاذ.
أي أن يوفر الخاصية الأساسية الأولى لأي بيت، ألا وهي الخصوصية والإطلالة.
“الإنسان يحب يشوف بلا ما يكون مكشوف”.
ـ2 التلوث السمعي: إهمال العزل بين غرف النوم، وغرف المعيشة أو وضع المطبخ في قلب منطقة الراحة دون معالجة، يخلق ضجيجا مستمرا يرفع من وتيرة المشاحنات التافهة، بسبب عدم الهدوء.
ـ3 تجاهل إيقاع الساعة البيولوجية: غرف النوم التي لا تدخلها الشمس صباحا أو تعتمد على إضاءة بيضاء قوية ليلا، تدمر جودة النوم.
نقص النوم يعني التعب وسرعة الغضب.
وسرعة الغضب هي الوقود الأول للخلاف.
ـ4 السقوف المنخفضة: تستجيب أدمغتنا للفراغات بشكل غريزي.
فالسقوف المرتفعة تحفز التفكير الإبداعي والشعور بالحرية.
بينما السقوف المنخفضة جدا قد تعطي شعورا بالأمان أو الضغط إذا لم تعالج جيدا.
المساحات المزدحمة بالأثاث وغير المنظمة بصريا يعاملها الدماغ كمهام غير منجزة، ما يسبب إرهاقا ذهنيا، قد يترجم إلى مشاحنات وقلق مع الوقت.
ـ5 ممرات الضيق النفسي: تصميم ممرات طويلة ومظلمة وضيقة (أقل من 110 سم) يعطي شعورا لا واعيا بالخطر والضغط.
الدماغ يترجم الضيق المكاني كحصار، ما يجعل الفرد يخرج من غرفته وهو في حالة استثارة عصبية سلبية، قبل أن يبدأ أي حوار مع شريكه.
ـ6 الفوضى البصرية الناتجة عن سوء التخزين، بسبب انعدام الخزائن الحائطية في التصميم الأساسي، ترهق الفص الجبهي للدماغ المسؤول عن اتخاذ القرارات والتحكم في الانفعالات.
ببساطة، المنزل الفوضوي تصميما يؤدي إلى عقل فوضوي وانفعالي.
نصائح لتحويل منزلك إلى مصدر سعادةولتفادي أخطاء التصميم السكني المؤدية إلى المشاحنات بين الزوجين، يقترح محمد الأمين بودراف حلولا لذلك:ـ أنسنة الفراغ أولا.
لا تصمم بيتا لتبهر الضيوف، صممه ليرتاح الساكنون.
اجعل الأولوية لتدفق الحركة الطبيعية.
وتجنب الزوايا الميتة التي تؤدي إلى تراكم الفوضى.
ـ قوة الإضاءة الطبيعية.
الضوء الطبيعي، أفضل مضاد اكتئاب مجاني.
تأكد من أن كل فرد من العائلة لديه وصول لضوء الشمس المباشر في غرفته.
ـ قاعدة المناطق الانتقالية.
اخلق فاصلا بصريا أو حركيا بين مدخل البيت ومنطقة الجلوس، وبين منطقة العمل والراحة.
الدماغ يحتاج إلى هذه العتبات لينتقل من حالة التوتر الخارجي إلى حالة الاسترخاء المنزلي.
ـ استخدم الألوان والملامس بحذر.
الملامس الطبيعية (خشب، حجر نباتات) تخفض ضغط الدم.
تجنب المواد الباردة جدا، التي تسحب حرارة الجسم عند اللمس وتوحي بالجمود، أو العاكسة بشكل مبالغ فيه في أماكن الاسترخاء، لكونها تتسبب في ضجيج بصري.
ـ توزيع المساحات بحسب الوظيفة النفسية.
اجعل غرفة النوم مقدسة للراحة فقط، خالية من التلفاز وأجهزة العمل، لترتبط في دماغك ودماغ شريكك بالهدوء والسكينة فقط.
ويشدد محمد الأمين بودراف، في الختام، على أن ترميم العلاقة الزوجية قد يبدأ أحيانا بترميم مسقط المنزل الأفقي، أو باستشارة هندسية شافية.
التصميم، بحسبه، ليس رفاهية، بل هو هندسة للمشاعر وضمان لاستقرار الأسرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك