تتكرر مشاهد الوداع والاستقبال والفرح بعودة الحجاج إلى أرض الوطن، بعد أداء الركن الخامس من الإسلام، غير أن هذه الرحلة الروحية، التي يفترض أن تبقى مرتبطة بالسكينة والتجرد من مظاهر الترف، تحولت لدى كثير من العائلات إلى موسم استهلاك مرهق ماديا، بسبب تضخم قائمة هدايا الحجيج، وما يرافقها من طقوس اجتماعية مكلفة، تبدأ قبل السفر ولا تنتهي بالعودة.
طلبيات باهظة تحرج الحاج وتفوق قدرتهفي الوقت الذي يذهب فيه الحاج لأداء مناسك دينية شاقة، تتطلب استعدادا نفسيا وبدنيا وماليا، يجد نفسه في كثير من الأحيان محاصرا بطلبات الأقارب والجيران والمعارف، وكأنه مقبل على رحلة تسوق عالمية، لا على عبادة مقدسة.
فهذه تطلب عطورا فاخرة، وتلك تريد بخورا خاصا، عباءات من ماركات معروفة، ساعات يد، هواتف، إلكترونيات، مسابح فاخرة، أطقم صلاة، وأحيانا حتى طلبات تخص مواد تجميل ومنتجات يصعب حملها، أو اقتناؤها بأسعار معقولة.
هذا الأمر، جعل كثيرا من الحجاج يؤكدون أن مصاريف “الطلبات” قد تتجاوز أحيانا تكاليف شخصية أساسية في الرحلة، خاصة عندما يتحول الحاج إلى موفد عائلي، مكلف بإحضار الهدايا لعشرات الأشخاص، تحت ضغط العادات الاجتماعية والخوف من إغضاب المحيط أو الظهور بمظهر البخيل، إذ يرى مختصون اجتماعيون أن الظاهرة تعكس تحولا عميقا في نظرة المجتمع إلى الحج، إذ لم يعد الأمر مقتصرا على البعد التعبدي فقط، بل صار يحمل أبعادا استهلاكية ومظاهر تفاخر اجتماعي.
فالبعض يقيس نجاح رحلة الحاج بما جلبه من هدايا ونوعيتها، وليس بما عاد به من أثر إيماني أو روحي.
يقول الخبير الاجتماعي الأستاذ لزهر زين الدين: “في الماضي كانت الهدايا رخيصة، فيجلب الحاج بإرادته هدايا مخصصة للأقارب، بما في ذلك حلي ذهبية، وإن لم تسعفه ميزانيته، فليس ذلك واجبا.
أما اليوم، فالحاج يوصف بالبخل، إذا لم يلب طلبات العائلة والمعارف، التي تكلفه الملايين، برغم تواجد كل شيء هنا.
لقد أصبحت الهدايا فرض عين على الحاج، وتقليدا اجتماعيا ثقيلا، قد يجبر البعض مستقبلا على القيام برحلاتهم سرا، لتجنب كل هذا”.
ميزانية الطلبات الخاصة.
تسرق من مصاريفهم الشخصيةيجد بعض الحجاج أنفسهم مضطرين إلى تخصيص جزء معتبر من مدخراتهم للهدايا، بينما يلجأ آخرون إلى الاستدانة أو التقليل من مصاريفهم الشخصية، في أثناء الرحلة، حتى يتمكنوا من تلبية الطلبات الاجتماعية المفروضة عليهم، بشكل غير مباشر.
وهو ما واجهته السيدة جميلة، في أول رحلة حج لها: “اتصلت بابنتي، فطلبت مني أن أحضر لها عباءة أنيقة من ماركة شهيرة، وجدت أن سعرها يقارب ما تبقى لي من مدخرات لإنهاء الرحلة، بينما طلب ابن أخي ساعة يد إلكترونية، وقد كنت ملزمة بإحضار هدايا رمزية للأقارب، إلى درجة أني تخليت عن الإنفاق على بعض الوجبات، وشراء بعض الكتب التي تمنيتها لي”.
لا يتوقف العبء عند الهدايا فقط، بل يمتد إلى ما يعرف بطقوس “المباركة”، حيث يتحول بيت الحاج بعد عودته إلى فضاء استقبال، مفتوح لأيام طويلة، يستقبل خلاله عشرات الزوار من الأقارب والجيران والمعارف.
وهي زيارات تفرض بدورها مصاريف إضافية، تتمثل في شراء الحلويات التقليدية والعصرية، والمشروبات، وتحضير الولائم والأطباق المختلفة، في وقت يكون فيه الحاج قد عاد لتوه من رحلة مرهقة جسديا وماديا.
المجتمع الجزائري، لا يزال يمنح أهمية كبيرة للمظاهر المرتبطة بالمناسبات الدينية والاجتماعية، ما يجعل بعض الطقوس تتحول تدريجيا من تعبير بسيط عن الفرح والمشاركة، إلى نوع من الالتزام الاجتماعي الإجباري، الذي يرهق الأفراد نفسيا وماديا، في وقت تساهم مواقع التواصل الاجتماعي في تضخيم الظاهرة، بعدما صار البعض يوثق الهدايا المستلمة من الحجاج، وينشرها، ما خلق نوعا من المقارنة الاجتماعية والضغط غير المباشر على الحجاج وعائلاتهم، وأصبح الحاج أحيانا يشعر بأنه مطالب بالعودة بحقائب ممتلئة، حتى لا يتعرض للانتقاد أو التعليقات الساخرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك