نادراً ما نقرأ أن سيرة لأحد ساكني" البيت الأبيض" تركز على تفاصيل بسيطة من قبيل كريات القطن التي استعملت لمحاكاة الجليد في احتفال" البيت الأبيض" بعيد الميلاد عام 2022، أو طبق المعكرونة بالدجاج وجبن البارميزان الذي يروق للأسرة الرئاسية أن تتناوله في مناسباتها الخاصة، أو تمدد قطة الأسرة المخططة - التي يطلقون عليها اسم ويلو - في أشعة الشمس في منزلهم، أو امتلاء المكتب البيضاوي بباقات الزهور أو لوحة" صباح على نهر السين في طقس جميل" لكلود مونيه المعلقة فيه، لكن يبدو أن هذه هي التفاصيل الغالبة على السيرة الصادرة حديثاً بعنوان" إطلالة الجناح الشرقي" التي كتبتها جيل بايدن قرينة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن.
تكتب ألكسندرا جاكوبس [" ذي نيويورك تايمز" – الـ29 من مايو (أيار) 2026] أن أجواء الكتاب أقرب إلى مجلة" يوم المرأة" منها بما قد يظهر على موقع" بوليتيكو".
وتكتب أن جيل بايدن" بجانب كونها في ما مضى السيدة الأولى، والسيدة الثانية من قبل [حين كانت زوجة لنائب الرئيس] في الولايات المتحدة، فهي أيضاً أستاذة قديمة للأدب الإنجليزي تحسن استعمال دقائق اللغة، وتستشهد بكثير من الكتاب - من أمثال ألبير كامو وروبرت فروست ونيكّي جيوفاني وجيمس سولتر - لكن أكثر الكتَّاب حضوراً هو الشاعر وليم كارلوس وليمز الذي كتب في قصيدته الملحمية (بيترسن) أنه ’لا أفكار إلا التي في الأشياء‘"، ولعل هذا هو سر حضور كريات القطن وجبن البارميزان وما إلى ذلك مما تتوقف أمامه العين الأنثوية.
تشير جاكوبس أيضاً إلى أن جيل بايدن" استعانت في الكتابة بآدا كالهوم مؤلفة كتاب (شاعر أيضاً) عن فرانك أوهارا"، فلعل هذا أسهم كذلك في كثرة الإشارات الأدبية في الكتاب.
في استعراضها لـ" إطلالة الجناح الشرقي" [" ذي ديلي تلغراف" – الثاني من يونيو (حزيران) 2026]، كتبت زو ستريمبل أنه يفترض بالرئيس الأميركي أن يكون شخصاً لطيف المعشر، لكن السيدة الأولى لا ينبغي بالضرورة أن تكون كذلك.
" وفي حدود لطف المعشر، من المؤكد أن جيل بايدن تعطي انطباعاً قوياً في سيرتها بأنها ليست بالمرأة الودود أو التي يسهل الاندماج معها.
وهي تقدم نفسها في السيرة باعتبارها امرأة حذرة، حريصة على الخصوصية، عائلية، ليس في حياتها إلا أسرتها وإيمانها الراسخ بالله وبالوطن (بالمعنى الديمقراطي الواضح)، وكل ما عدا ذلك لا يمثل لها إلا ضوضاء أو إزعاجاً".
" كانت جيل بايدن إحدى خمس شقيقات نشأن في الخمسينيات في ضاحية هانئة بولاية بنسلفانيا، لأبوين كانا يعشقاهن، وبخاصة الأم.
عملت أستاذة جامعية للكتابة - وتصف نفسها بدودة الكتب - وظلت في موقعها إلى أن رُئِي أنه لم يعد موائماً لدورها العام في 2024.
هي امرأة جميلة شقراء أنيقة، يخيل لمن يراها أنها كانت زعيمة ثلة جميلات المدرسة العابثات، وأنها التي كانت تقرر من تنضم إليهن ومن تستبعد".
وتضرب زو ستريمبل مثالاً لذلك باستعراضها في الكتاب لـ" السيدات الأوائل السابقات من خلال صورهن في الجناح الشرقي.
فلكم أن تتصوروا جيل بايدن قائدة فريق المشجعات في مدرسة ثانوية إذ تستعرض صور الفتيات المشتاقات إلى الانضمام للفريق"، ويبدو أن اختيارها اتصب على هيلاري كلينتون وميشيل أوباما فهما" المفضلات لديها" من السيدات الأول المعاصرات، بحسب ستريمبل.
غير أن محور الكتاب، حتى لو أنه سيرة لجيل، هو جو بايدن، " فالرسالة التي كانت تكتبها له أحياناً بطلاء شفتيها على مرآة الحمام ليقرأها قبل خروجه إلى الحلبة هي ’أنت بطلي‘".
ترى زو ستريمبل أن التركيز على جو بايدن" قد يفسر بعض الشيء لماذا ظلت الجوقة الرئاسية كاملة تناضل من أجل إبقائه في السلطة حتى بعدما تبين بوضوح أنه لا أمل فيه"، وعلى رغم أن جيل بايدن نفسها كانت ترى عجزه عن مواصلة دوره الرئاسي، ففي إحدى المناظرات الرئاسية قال الرئيس شيئاً تصفه زوجته بأنه" غير منطقي تماماً"، إذ تحدث عن" الانتصار على برنامج التأمين الصحي".
تكتب جيل بايدن" قلت في نفسي’تراه يهذي؟ أم أصابته جلطة؟ ‘.
وبينما نغادر المنصة همس لي جو ’أخطأت خطأ فاحشاً، أليس كذلك؟ ‘ فهمست له ’بلى‘".
" لكنها في ما عدا هذا تنكر الواقع.
فترسم لجو صورة قديس، على قدر رائع من الالتزام والكفاءة والقدرة على قيادة العالم الحر حتى حينما بدا عليه التخبط والتشوش".
وترى ستريمبل أن جو بايدن كان رائعاً حقاً، وبخاصة عند مقارنته بترمب، الذي تكتفي جيل بايدن عند الإشارة إليه بعبارة" خصم جو".
وتضيف ستيمبلر أن الديمقراطيين" لو كانوا أخرجوه من السباق مبكراً ودفعوا بمرشح آخر يخلو من قصور كمالا هاريس الواضح، فلعل أميركا الآن كان لها رئيس ديمقراطي، ولكان الزوجان بايدن يقضيان شيخوختهما في سلام".
ولكن الاعتراف بأن بايدن كان عاجزاً عن مواصلة الحكم يبدو لستيمبلر أمراً" شديد الإيلام للزوجين بايدن، فهما فعلياً لا يستطيعان تقديم اعتراف علني به، وإلا سينكسران، ولذلك فهما يتشبثان بالإنكار، فتكتب جيل بايدن بتعامٍ بائس أنه ’حتى لو بدا عليه تراجع النشاط في الأعوام السابقة لإعادة انتخابه، فقد كنت أومن من أعماق قلبي بأنه لا يزال كفئاً وحكيماً وقادراً على الحكم، وأنه لم يتزعزع قط عن قيمه".
وتستدل جيل بايدن على ذلك بزيارة إلى أوكرانيا" قام بها جو لإظهار التضامن مع فلودومير زيلينسكي فـ’على رغم عمره، كان جو لا يزال قادراً على تحمّل أعباء وظيفته، وعلى نحو جيد.
فقد قام جو بزيارة سرية خطرة ومجهدة بدنياً، حققت نجاحاً مدوياً، وكانت دليلاً إضافياً على أنه على رغم سنه كان لا يزال على قدر وظيفته إلى حد كبير جداً".
وتتساءل ستيمبلر أو تستنكر بالأحرى" فعلاً؟ من واقع زيارة دولية واحدة؟ ".
وتجيبها بايدن في" إطلالة الجناح الشرقي"، " لو أنكم عرفتم جو بايدن حق المعرفة، لأدركتم أنه لو كان قد وصل حقاً إلى درجة لم يعد فيها بقادر على ممارسة الوظيفة، لتنحّى.
ومن المؤكد أنه لو كانت علامات ضعف الإدراك قد ظهرت عليه لما ترددت أو أحجمت عن قول هذا، ولما تردد فريقه عن قول ذلك، لكنه لم يكن بأية حال قريباً من تلك الدرجة في صيف عام 2024".
والحق أن جيل بايدن، على رغم هذا الإنكار الذي تبرزه زو ستيمبلر وتدينه، لم تكن غافلة عن تدهور حال زوجها الصحية.
فبوبي وود يبدأ استعراضه للكتاب [" ذي ديلي تلغراف" – الثاني من يونيو 2026] بقوله، إن" جو بايدن كان يستيقظ سبع مرات في الليلة خلال عامه الأخير في (البيت الأبيض) حسبما كشفت زوجته جيل وهي تلقي الضوء على شكوكها في ملاءمة لياقته لفترة رئاسية ثانية، إذ أشارت السيدة الأولى السابقة إلى أن الرئيس السابق للولايات المتحدة ربما أصيب بالسرطان قبل مغادرته (البيت الأبيض) وتم تشخيصه بذلك".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)" في العام السابق لمغادرتنا (البيت الأبيض)، بدأ جو يستيقظ مرات في الليلة.
وكنت أعلم أن هذا من الأعراض المألوفة لدى الرجال في مثل سنه، وأنه في الغالب يكون ناجماً عن شيء حميد.
ولما كنت أعلم أن جو سوف يفضل الحديث عن أية مشكلات بولية لديه مع أطبائه الذكور لا مع زوجته، فقد نبهت أحد أطبائه لأطمئن إلى معرفته بالحالة.
قلت ’إنه استيقظ سبع مرات الليلة الماضية، وأنا قلقة عليه‘.
لم أتخيل قط أن هذا العرض شديد الشيوع في الرجال من سنه سوف يتبين أنه سرطان‘".
يكتب بوبي وود أنه تم تشخيص بايدن بالإصابة بالحالة الرابعة من سرطان البروستاتا في مايو (أيار) 2025، بعد أربعة أشهر من مغادرته المكتب البيضاوي.
وتبين للأطباء أيضاً أن السرطان انتشر في عظامه فضلاً عن تشخيص سرطان موضعي في فروة رأسه.
" رفضت جيل بايدن مزاعم التستر على المرض خلال رئاسة بايدن، ولكنها اعترفت بشكوكها في لياقته لمواجهة دونالد ترمب خلال سباق 2024 الرئاسي.
وعلى رغم إصرارها على أنها لم تشك مطلقاً في قدرته على الحكم، فقد كشفت أنها تساءلت عما لو كان بوسعه أن يغير الإحساس العام المتزايد بأنه غير قادر ذهنياً على الخدمة فترة ثانية، (تراه كان قد شاخ كثيراً على تلك الوظيفة وأنا التي لم أنتبه؟ لا أعتقد، لكن هل كان يمكن أن أكون موضوعية بالقدر الكافي لقول فصل؟ )".
يقدم الكتاب - في ما يكتب بوبي وود -" لمحة نادرة للمداولات التي جرت قبل حملة بايدن الانتخابية الفاشلة"، يقدم كذلك سرداً لما جرى بعد مناظرة بايدن الكارثية أمام ترمب، إذ" تضخمت كرة جليد المناورات ضد بايدن منذ تلك اللحظة، لدرجة أن الرئيس باراك أوباما - الذي عمل معه بايدن لثمانية أعوام نائباً للرئيس - تدخل معرباً عن قلقه.
كتبت جيل بايدن ’كانت أول إشارة حقيقية إلى احتشاد قوى كبرى لإخراج جو من السباق هي اتصال من باراك أثار خلاله الموضوع.
فهمت وجهة نظر باراك ومع ذلك، بينما كنت أسمع حديث جو معه عبر الهاتف، شعرت بخيبة أمل‘".
تركز جيل بايدن في" إطلالة الجناح الشرقي" على أعوامها الأربعة في" البيت الأبيض" بين عامي 2021 و2025، وتنتقد أيضاً محاولة الرئيس دونالد ترمب تمزيق أوصال إرث زوجها السياسي.
فقد" اتهمت السيدة الأولى الرئيس الحالي بأنه ’يقوض التاريخ‘ بتدميره الجناح الشرقي في (البيت الأبيض) لإفساح المجال أمام إقامة قاعة رقص جديدة، ورأت أن ذلك برهان على أن رجوعه إلى المكتب البيضاوي ’أشبه برجوع شبح منتقم‘".
ولا يفوتها أيضاً أن تذكّر قراء كتابها - حسبما يرد في مقال ألكسندر جاكوبس - بأن" ترمب استغل صورة نادرة لها وهي تتكلم معه للإعلان عن عطر له اسمه (فايت! فايت! فايت! )".
" عرضت جيل بايدن أيضاً تفاصيل العلاقة الباردة مع السيدة الأولى ميلانيا ترمب، التي اشتركت معها في رحلة محرجة بالسيارة في الطريق إلى حفل تنصيب ترمب في يناير (كانون الثاني) 2025، ’كانت هذه الرحلة من التفاعلات القليلة مع ميلانيا التي أتيحت لي.
لم تدعني ميلانيا إلى الشاي في 2021، ورفضت دعوتي في 2024.
وفهمت أنها تلوم جو شخصياً على قيام المباحث الفيدرالية بتفتيش غرفها الخاصة في منتجع مارالاغو‘".
وليست العلاقة الفاترة مع ميلانيا هي العلاقة المضطربة الوحيدة مع السيدات الأول، فحتى ميشيل أوباما نالها نصيب من الفتور، إذ تكتب ستيمبلر أن جيل رفضت عرض ميشيل أوباما حضور جنازة والدة جيل على رغم أنها تحرجت من ذلك الرفض، " لكنه في نظرها كان أمراً ضرورياً من أجل حماية خصوصية حزن أخواتها الأربع من أنظار العامة".
وفي الكتاب، بجانب ميلانيا وميشيل، إشارات إلى سيدات أول أخريات منهن كاري جونسون زوجة بوريس جونسن، وأكشاتا ميرتي زوجة ريشي سوناك، فضلاً عن الملكة الراحلة إليزابيث الثانية التي كتبت جيل عنها أنها خلال لقاء خاص بقلعة ويندسور عام 2021 كانت" شديدة الصراحة في ما قالته عن بعض القادة الذين لا يحظون برضاها، وأنها كانت تصب الشاي بنفسها، وتطعم أحد كلابها شطيرة سلمون.
تكتب جيل بايدن ’شعرت بالامتنان لأنها أطلعتني على خبيئة نفسها‘".
وبجانب كريات القطن والدجاج بالبارميزان وما قد تفسره الغيرة حتى بين السيدات الأول، تكشف جيل بايدن أيضاً عما يصفه بوبي وود بـ" محاولاتها التأثير في زوجها خلال قضايا جيوسياسية كبيرة، وذلك في الغالب من خلال كتابتها ملاحظات بخط اليد أو رسائل بطلاء الشفاه على مرآة الحمام".
" ففي صباح يوم من أبريل (نيسان) عام 2024، بعدما شاهدت على شاشة التليفزيون ’يوماً آخر من أيام تدمير غزة‘، كتبت ملاحظة على ورقة لاصقة تحث فيها بايدن على التصدي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قالت فيها ’لا بد من إيقاف نِتْ‘، ثم كتبت له لاحقاً رسالة أخرى قبل مناقشة مع نتنياهو قالت فيها ’كن قوياً، ولا تدع ب.
ن يستغل طيبتك‘".
تكتب زو ستيمبلر أن" السؤال الذي يؤرق السيدات الأول دائماً هو المتعلق بدورهن السياسي في تحريك العرائس، وإلى أي مدى يماثلن الليدي ماكبث؟ وجيل ليست ساذجة.
وإنك لتشعر دائماً أنها ترى أكثر مما تتكلم، وأنها مدركة لوظيفتها الأساسية، حسبما كانت تراها، وهي أن تساند جو.
ومن المؤكد أن خبرتها لا تكمن في السياسة الدولية التي لا يبدو فهمها لها دقيقاً على الإطلاق، فأفغانستان توصف في كتابها بأنها إحدى ’الحروب الأبدية‘ التي خاضتها أميركا بعد الـ11 من سبتمبر (أيلول)، بينما يوصف انسحاب عام 2021 من أفغانستان بأنه وفاء بوعد انتخابي، ومن المثير للقلق في نظر مناصرة لحقوق المرأة أن جيل لا تقول شيئاً عن نساء أفغانستان اللاتي عدن مرة أخرى إلى أيدي (طالبان) والحرمان من التعليم".
لكن أسباب انتقاد ستيمبلر لجيل بايدن في درايتها بشؤون السياسة الدولية لا تقتصر مطلقاً على مناصرتها للمرأة الأفغانية، فهناك إسرائيل.
تأخذ ستيمبلر على جيل بايدن تبنيها لـ" الصيغة الشهيرة"، أي إدانة هجمات" حماس" في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) بكلمات قليلة، ثم كيل الانتقادات والإدانات لإسرائيل بسبب إراقة الدماء.
ولا يشفع لجيل بايدن عند زو ستيمبلر إلا أنها" في الأقل لا تصل إلى درجة استعمال مصطلح الإبادة الجماعية".
وهكذا لا تبخل ستيمبلر على جيل بايدن بقولها في ختام مقالتها إنها" شخصية آسرة، ومزيج نادر المثال من الحدة والانطواء، مع لمحات من الزوجة التقليدية".
العنوان: VIEW FROM THE EAST WING: A Memoir.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك