يمثل الوجود الصيني في قوات حفظ السلام الأممية بجنوب السودان نقطة تحول نوعية في مسيرة السياسة الخارجية الصينية، إذ تجاوزت بكين مبدأ عدم التدخل الذي كثيراً ما رفعته شعاراً ثابتاً في تعاملها مع الملفات الأفريقية، لتنتظم بصورة مباشرة في إدارة أحد أكثر النزاعات تعقيداً على الصعيد الأفريقي.
ولعل المتأمل في هذا التحول يدرك أنه لم يأت من فراغ، بل جاء محصلة لتراكم استراتيجي صيني دقيق يمزج بين الحضور الاقتصادي الكثيف وحماية المصالح والسعي إلى بناء صورة القوة الدولية المسؤولة، في مشهد يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة الدور الصيني على الصعيد العالمي.
التحول التاريخي: من مبدأ عدم التدخل إلى الانتظام الفاعلظلت الصين على مدى عقود متمسكة بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، باعتباره ركيزة أساسية في منظومتها الدبلوماسية، وهو المبدأ الذي وفر لها هامشاً واسعاً للتحرك الاقتصادي في أفريقيا بمعزل عن الاشتراطات السياسية التي دأبت القوى الغربية على فرضها.
غير أن الأزمة المتفجرة في جنوب السودان منذ عام 2013 وضعت بكين أمام معادلة بالغة التعقيد، فمصالحها النفطية الضخمة في البلاد، التي تجعلها أكبر مستثمر أجنبي في قطاع الطاقة الجنوب سوداني، باتت مهددة في ظل الاضطرابات المسلحة المتواصلة.
في هذا السياق، غيرت بكين موقفها بصورة لافتة، إذ أيدت عام 2011 قرار مجلس الأمن رقم 1996 القاضي بإنشاء بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان (UNMISS)، ثم تجاوزت ذلك إلى المشاركة الميدانية الفعلية حين أرسلت عام 2015 أولى وحداتها المشاة إلى البعثة الأممية، في سابقة تاريخية تمثل انتشاراً قتالياً فعلياً لقوات صينية خارج الحدود لأغراض حفظ السلام، وتشير بيانات وزارة الدفاع الصينية إلى أن عدد القوات الصينية المنتشرة في إطار البعثة الأممية بجنوب السودان بلغ في مراحل الذروة نحو 1000 عنصر، وهو رقم يعكس حجم الالتزام الصيني بهذا الملف.
الدور الميداني: هندسة وطب ومشاةتتوزع مساهمة الصين في بعثة UNMISS على ثلاثة محاور رئيسة يكشف كل منها عن بعد مختلف في الاستراتيجية الصينية، فعلى صعيد الهندسة العسكرية، قدمت الوحدات الصينية إسهاماً ميدانياً ملموساً في بناء البنية التحتية الضرورية لعمليات حفظ السلام، من طرق وجسور ومخيمات، وهو عمل يعكس الكفاءة الهندسية الصينية التي باتت ماركة مسجلة في القارة الأفريقية، أما على صعيد الطب الميداني فقد أسهمت الوحدات الطبية الصينية في تقديم الرعاية الصحية لأبناء المجتمعات المحيطة بمواقع انتشار القوات، مما أضفى على الوجود الصيني طابعاً إنسانياً يعزز القبول الشعبي المحلي.
والأبرز في هذا المشهد هو انتشار وحدات المشاة الصينية، إذ شكل ذلك منعطفاً حاداً في تاريخ المشاركة الصينية في عمليات حفظ السلام الأممية، وقد أثبتت هذه الوحدات كفاءتها في مهام حماية المدنيين، وهو ما أشادت به تقارير البعثة الأممية ذاتها، فيما أكد المسؤولون في جوبا أن الوجود الصيني أسهم في تثبيت الأمن في مناطق عدة خلال أشد فترات الصراع حدة، ولعل ما يزيد هذا الحضور الصيني تميزاً أن قواته لم تتورط في أي حوادث انتهاكات موثقة، وهو ما يمنحها رصيداً من الثقة لدى الأطراف الجنوب سودانية المختلفة.
الدوافع الاستراتيجية: ثلاثية النفط والصورة والخبرةيقف وراء التحول الصيني نحو الانتظام في حفظ السلام بجنوب السودان ثلاثة دوافع متشابكة لا يمكن فهم أي منها بمعزل عن الآخرين، الدافع الأول اقتصادي بامتياز، فالصين تمتلك حصصاً ضخمة في قطاع النفط الجنوب سوداني عبر شركة النفط الوطنية الصينية (CNPC)، وتشير التقديرات إلى أن الاستثمارات الصينية في هذا القطاع تتجاوز 20 مليار دولار، فيما تستورد بكين نحو 85 في المئة من صادرات جنوب السودان النفطية، مما يجعل استقرار البلاد مصلحة صينية مباشرة لا تحتمل المقامرة.
أما الدافع الثاني فيتعلق بالصورة الدولية، إذ تسعى بكين إلى ترسيخ مكانتها باعتبارها قوة عالمية مسؤولة تضطلع بالتزاماتها في صون الأمن الدولي، وهو توجه يتسق مع خطابها المتعلق بمفهوم" المجتمع البشري ذي المصير المشترك" الذي تروج له في المحافل الدولية.
وليس خافياً في هذا السياق أن الصين باتت أكبر مساهم في موازنة حفظ السلام الأممية بين الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وهو رقم تستثمره سياسياً في تعزيز نفوذها داخل المنظومة الأممية.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)والدافع الثالث ذو طابع عسكري تدريبي، إذ تمثل بيئة حفظ السلام في جنوب السودان فرصة نادرة للقوات الصينية لاكتساب خبرات عملياتية خارج الحدود في ظروف ميدانية حقيقية، وهو ما لا توفره التدريبات الداخلية مهما بلغت درجة تطورها.
ويرى المحللون الاستراتيجيون الأفارقة، لا سيما في معهد الدراسات الأمنية بجنوب أفريقيا، أن هذه الخبرة التشغيلية تمثل رصيداً استراتيجياً طويل الأمد للمؤسسة العسكرية الصينية.
النهج الصيني أمام اختبار المقارنة: شراكة لا وصايةيتباين النهج الصيني في جنوب السودان جوهرياً عن نهج القوى الغربية في جانبين رئيسين، الجانب الأول يتصل بغياب الاشتراطية السياسية، إذ لا تربط بكين مشاركتها الأمنية أو استثماراتها الاقتصادية بمتطلبات الحوكمة أو الإصلاح الديمقراطي أو سجلات حقوق الإنسان، وهو ما يجعل تعاملها أكثر قبولاً لدى الحكومة في جوبا التي ترى في المقاربة الغربية تدخلاً في شؤونها الداخلية، والجانب الثاني يتعلق بالحزمية التكاملية لعروضها، فالصين تجمع في حزمة واحدة متماسكة بين الاستثمار النفطي وبناء البنية التحتية والدعم الأمني، مما يجعل حضورها متعدد الأبعاد ويصعب تعويضه.
بيد أن هذا النهج لا يخلو من إشكالات يرصدها الباحثون الأفارقة بموضوعية، فتركيز الصين على حماية المصالح الاقتصادية قد يضعف في بعض الأحيان حياديتها كقوة محافظة على السلام، كذلك فإن غياب الاشتراطية السياسية يمكن أن يسهم في إطالة أمد أنظمة الحكم المختلفة بدلاً من الضغط نحو الإصلاح، وقد رصد تقرير معهد الدراسات الأمنية الصادر عام 2024 أن التوازن بين الدور الأممي الصيني ومصالحه الاقتصادية يظل أحد أبرز الاختبارات التي تواجه النموذج الصيني بأفريقيا.
التقييم الأفريقي: الصوت الذي يغيب عن النقاشات الغربيةكثيراً ما تهيمن على النقاشات المتعلقة بالدور الصيني في أفريقيا وجهات نظر غربية تفتقر إلى الأصوات الأفريقية ذاتها، وهو غياب تبدو آثاره واضحة في الاستنتاجات التي تصدر عن بعض مراكز الأبحاث الغربية.
في المقابل، تكشف استطلاعات رأي أفريقية، من بينها استطلاعات مؤسسة أفروباروميتر، عن مستويات تقدير مرتفعة للدور الصيني في دول عدة، وإن تفاوتت بحسب طبيعة التجارب المحلية مع الشركات الصينية.
وعلى صعيد جنوب السودان تحديداً، أبدى المسؤولون الحكوميون والقيادات المدنية تقديراً للوجود الصيني في البعثة الأممية، مستندين إلى ما قدمه من خدمات ملموسة للمجتمعات المتضررة من دون إملاءات سياسية، كذلك فإن الاتحاد الأفريقي، في إطار تطويره هيكلية قوة الاحتياط الأفريقية، يتعامل مع الخبرات الصينية في حفظ السلام، باعتبارها رصيداً قابلاً للتوظيف في منظومة الأمن الجماعي الأفريقي.
وتبقى كينيا وأوغندا ودول جوار جنوب السودان الأكثر تأثراً بمآلات الوضع هناك، وهي دول تتعامل مع بكين بقدر كبير من البراغماتية بعيداً من أطر الخصومة الأيديولوجية.
مشهد ختامي: جنوب السودان نموذجاً استراتيجياً صينياًيصح القول إن تجربة الصين في جنوب السودان باتت تمثل نموذجاً تطبيقياً للسياسة الخارجية الصينية الجديدة في أفريقيا، نموذجاً يمزج بين الاستثمار الاقتصادي الكثيف والانتظام الأمني المحسوب وبناء الشرعية الدولية عبر المنظومة الأممية، في معادلة تختلف جوهرياً عن نماذج التدخل الغربية التقليدية.
وتكمن الرهانات الصينية في هذا الملف على مستوى التسوية السياسية المرتقبة في جنوب السودان واستمرار انسياب النفط عبر خطوط الأنابيب الممتدة شمالاً.
ولعل الاختبار الحقيقي للنموذج الصيني في جنوب السودان سيتجلى في مرحلة ما بعد الصراع، حين يتعين على بكين أن توازن بين مصالحها الاقتصادية المتشعبة ودورها كشريك في إعادة البناء المؤسسي، وهو توازن دقيق يستدعي قدراً من الاشتباك السياسي لا يتلاءم مع المبدأ التقليدي لعدم التدخل الذي كثيراً ما عرفت به السياسة الصينية في أفريقيا.
وتشير معطيات المشهد الراهن إلى أن بكين ماضية في إعادة صياغة هذا المبدأ بهدوء وتدرج، مستخدمة جنوب السودان مختبراً استراتيجياً لنموذج صيني أفريقي جديد لا تزال ملامحه في طور التشكل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك