حذر مختصون في مجال البيئة وعلم النفس من التأثيرات السلبية التي تخلفها بعض المحتويات التي تعرض مشاهد افتراس الحيوانات أو معاناتها، وبذلك تحويل السلوكيات الطبيعية في عالم الحيوان إلى مادة للفرجة والإثارة على منصات التواصل الاجتماعي، ويؤكد هؤلاء أن نشر مثل هذه المشاهد دون مراعاة أبعادها النفسية والتربوية قد يترك آثارا سلبية خاصة لدى الأطفال، وبدلها يجب ترسيخ ثقافة احترام الكائنات الحية، وتعزيز قيم الرحمة والتعاطف خصوصا في تنشئة الأجيال الصاعدة، والموازنة بين التوعية العلمية واحترام مبادئ الرفق بالحيوان.
أثارت، في الآونة الأخيرة، مقاطع مصورة توثق عمليات إطعام الأفاعي بصيصان حية داخل بعض الفضاءات الخاصّة أو لدى هواة تربية الزواحف، موجة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بين من يعتبرها مشاهد طبيعية تعكس دورة الحياة في عالم الحيوان، وبين من يرى أنها تتجاوز حدود التوعية العلمية لتتحول إلى محتوى قائم على الإثارة واستعراض معاناة كائنات حية من أجل حصد المشاهدات والتفاعل، مع التنبيه إلى المخاطر البيئية والأمنية المرتبطة بتربية الأفاعي وجمعها خارج الأطر القانونية والتنظيمية.
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة والمحامية وداد ليشاني، المُختصّة في القانون البيئي، وناشطة في مجال حقوق الحيوان، أن الطفل يتأثر بشكل كبير بالرسائل الضمنية التي يتلقاها من محيطه ومن المحتويات التي يشاهدها يوميا، موضحة أن تقديم معاناة كائن حي في إطار ترفيهي قد ينعكس سلبا على بناء الحس الإنساني لديه، وأمور أخرى تتعلق بالجانب التربوي والأخلاقي، خاصة عندما تكون هذه المقاطع متاحة للأطفال واليافعين الذين ما يزالون في مرحلة بناء منظومتهم القيمية وتشكيل نظرتهم تجاه الكائنات الحية ومفهوم الرحمة والتعاطف.
وداد ليشاني: جمع الأفاعي خارج الأطر القانونية يهدّد السلامة العامةوكشفت المتحدثة لـ”الشروق” إن “تنمية التعاطف والرحمة من أهم مقومات النمو النفسي والاجتماعي السليم لدى الأطفال، وعندما يتكرر تعرض الطفل لمشاهد يظهر فيها الألم أو الخوف على أنه مادة للفرجة والتسلية، فإن ذلك قد يؤدي إلى نوع من التطبيع مع المعاناة أو التقليل من حساسيتها.
وأضافت أن الأطفال يتعلمون من النماذج التي يقدمها لهم الكبار، سواء داخل الأسرة أو عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، ولذلك ينبغي الحرص على تقديم محتوى يرسخ قيم الاحترام والمسؤولية تجاه الكائنات الحية.
تصوير المعاناة لجذب المتابعينوبالمقابل شددت ليشاني، على أن مجال الرفق بالحيوان لا يتعلق بحق الأفعى أو الحيوان المفترس في الحصول على غذائه، فذلك يدخل ضمن متطلبات البقاء الطبيعية التي تحكم عالم الحيوان منذ آلاف السنين، وإنما يتعلق بطريقة تقديم هذه المشاهد للجمهور والغاية من تصويرها ونشرها.
مُضيفة، أن الأفاعي تعتمد على الإفتراس لتأمين غذائها خلال تواجدها في الطبيعة، وهو سلوك غريزي لا يرتبط بالرغبة في التعذيب أو إحداث الألم، غير أن تصوير لحظات المعاناة والتركيز عليها وتحويلها إلى مادة للإثارة أو جذب المتابعين يخرجها من إطارها البيولوجي الطبيعي إلى سلوك بشري يخضع للتقييم الأخلاقي والتربوي.
كما أشارت إلى تزايد انتشار مقاطع تتضمن قسوة تجاه الحيوانات على منصات التواصل الاجتماعي، في ظل مساهمة بعض الخوارزميات في إظهار هذا النوع من المحتوى بسبب نسب التفاعل المرتفعة التي يحققها، وفي ذات الوقت –يضيف المتحدث- ترتفع نسبة تأثيراته النفسية والتربوية على الصغار وحتى البالغين في بعض الحالات، وهو ما تثبته الدراسات العلمية في مجال علم النفس والتربية، بوجود ارتباط بين التعرض المتكرر لمشاهد إساءة معاملة الحيوانات، وبين تراجع مستويات التعاطف لدى بعض الأشخاص.
تربية الأفاعي… هواية لا تخلو من المخاطروبعيدا عن الحدائق العمومية والفضاءات المخصصة للعرض، أكدت المتحدثة أن تربية الأفاعي ليست حكرا على المؤسسات الرسمية، إذ يوجد في الجزائر كما في دول عديدة هواة يحتفظون بأنواع مختلفة من الزواحف داخل منازلهم أو أماكن خاصة، سواء بدافع الاهتمام العلمي أو الهواية أو لأغراض مرتبطة بالموروث الشعبي.
غير أن هذه الممارسات على حد تعبيرها، تثير بدورها مخاوف مرتبطة بالسلامة العامة وحماية البيئة، خاصة عند التعامل مع أنواع سامة أو خطرة، فقد سجلت في عدد من الدول حوادث مرتبطة بهروب أفاع من أماكن احتجازها أو نتيجة أخطاء في التعامل معها.
كما حذرت من جهتها من تأثير جمع الأفاعي من مواطنها الطبيعية بغرض التربية أو العرض، لما قد يسببه ذلك من اختلالات في التوازن البيئي، باعتبار أن هذه الزواحف تؤدي دورا مهما في الحد من انتشار القوارض وبعض الآفات الزراعية.
قائلة أن مخاطرها تزداد من خلال استيراد أنواع غير محلية، إذ يمكن أن يؤدي هروبها أو إطلاقها في الطبيعة إلى ظهور أنواع غازية قادرة على التأقلم والتكاثر خارج موطنها الأصلي، وهو ما قد يهدد التنوع البيولوجي المحلي في بلادنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك