تثير التحقيقات تساؤلات حول دور رجل عراقي يبلغ من العمر 32 عامًا في سلسلة هجمات استهدفت مواقع يهودية في عدد من الدول الأوروبية، ويتهم محمد باقر سعد داود السعدي، الذي ظهر هذا الأسبوع أمام محكمة اتحادية في مانهاتن، بالضلوع في تنسيق هذه العمليات، حيث أنكر التهم الموجهة إليه المتعلقة بالإرهاب وقدم نفسه باعتباره أسير حرب، في وقت يواجه فيه احتمال السجن مدى الحياة إذا ما أُدين.
وتشير وثائق قضائية وتحقيقات خبراء، إلى أن باقر السعدي كان يقود، من داخل بغداد، شبكة غير تقليدية نفذت أو نسّقت سلسلة هجمات في أوروبا بين مارس وأبريل، استهدفت بشكل أساسي مدارس ودور عبادة يهودية، إلى جانب منشآت مدنية في بعض الحالات، بحسب تقرير نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية.
تفعيل الخلايا النائمة في أوروبا بعد الحرب على إيرانوبحسب هذه المعطيات، بدأت القصة بعد فترة وجيزة من تصعيد عسكري في المنطقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، حين ظهرت رسائل عبر تطبيقات مشفرة مثل تيليجرام وسناب شات تدعو إلى ما وُصف بتفعيل الخلايا النائمة في أوروبا، مع تضمين رموز يُعتقد أنها تشير إلى مجموعات أو أفراد محددين.
وخلال ساعات من هذه الرسائل، وقعت سلسلة تفجيرات واعتداءات متفرقة في مدن أوروبية بينها لييج وروتردام وأمستردام، قبل أن تمتد إلى لندن، في موجة شملت نحو 18 حادثة خلال أسابيع قليلة، دون وقوع قتلى، لكنها خلّفت حالة من الذعر الواسع.
تكهنات أولية بظهور تنظيم جهادي جديد في أوروباوبالتوازي، أعلنت جهة غير معروفة تُدعى حركة أصحاب اليمين الإسلامي مسؤوليتها عن عدد من هذه الهجمات، ما دفع إلى تكهنات أولية بظهور تنظيم جهادي جديد في أوروبا، إلا أن التحقيقات اللاحقة، وفق وثائق الادعاء، تشير إلى أن هذه البنية كانت واجهة رقمية يديرها السعدي نفسه.
وتوضح التحقيقات أن السعدي لم يكن فاعلًا منعزلًا، بل نشأ داخل بيئة ميليشياوية في العراق مرتبطة بطهران، حيث جُند في شبابه داخل فصائل شيعية نشطت بعد الغزو الأمريكي للعراق، ثم شارك في القتال في سوريا إلى جانب قوات داعمة للنظام السوري، ولاحقًا في مواجهة تنظيم داعش في العراق.
كما تشير تقارير إلى ارتباطه بشبكات داخل الحرس الثوري الإيراني، وتنقله بين العراق وسوريا وأوروبا وروسيا، حيث ظهر في فعاليات ومعارض عسكرية، وشارك في أنشطة يُعتقد أنها مرتبطة باللوجستيات ونقل التكنولوجيا العسكرية.
وبحسب محللين، فإن نشاطه لم يقتصر على الميدان العسكري، بل امتد إلى الفضاء الرقمي، حيث أشرف على قنوات دعائية عبر تيليجرام، في إطار ما يوصف بالحرب الهجينة، التي تمزج بين العمليات العسكرية والدعاية والتجنيد الإلكتروني.
وتضيف التحقيقات أن بعض الرسائل التي سبقت الهجمات في أوروبا نشرت عبر شبكات مرتبطة بميليشيات مدعومة من إيران في العراق، ما أثار تساؤلات حول طبيعة التنسيق ومستواه داخل هذه العمليات.
وفي تطور لاحق، ألقت السلطات التركية القبض على السعدي في إسطنبول، قبل أن يتم تسليمه إلى الولايات المتحدة، حيث اتهمته السلطات بمحاولة التحريض على هجمات ضد أهداف يهودية، ومناقشة خطط محتملة لعمليات داخل الأراضي الأمريكية.
وتشير مصادر أمنية إلى أن اعتقاله أدى إلى توقف موجة الهجمات في أوروبا، بينما يعتقد محللون أن القضية تكشف نمطًا جديدًا من الوكالة غير التقليدية، يعتمد على أفراد وشبكات صغيرة تعمل عبر الإنترنت بدل التنظيمات الهرمية التقليدية.
وفي المقابل، ما تزال القضية محل جدل واسع، خصوصًا بشأن مدى استقلالية السعدي عن شبكات إقليمية أكبر، أو ما إذا كان جزءًا من استراتيجية أوسع تستخدم فيها أطراف دولية فاعلين محليين لتنفيذ عمليات معقدة يصعب تتبعها بشكل مباشر.
وتخلص تقديرات أمنية إلى أن هذه النماذج من الحرب بالوكالة الرقمية تمثل تحديًا متصاعدًا للأجهزة الغربية، خاصة مع اعتمادها على وسائل التواصل الاجتماعي لتجنيد منفذين منخفضي المستوى، غالبًا دون وعي كامل بطبيعة العمليات التي يشاركون فيها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك