كشفت روسيا عن نسخة معززة من طائرتها المسيّرة الهجومية" بيرانها"، المصممة خصيصا لاستهداف الدبابات وتدميرها، في خطوة تعكس تسارع وتيرة تطوير أسلحة الجيل الجديد في ظل استمرار الحرب على أوكرانيا.
ويأتي هذا الإعلان في سياق سباق تسليح غير معلن تخوضه موسكو وكييف على جبهة المسيّرات، وهي جبهة باتت تحدد مسار المعارك البرية بقدر لا يقل عن المدفعية والدروع.
وجاء الكشف عن الطراز المطور خلال معرض" هلي روسيا 2026" في موسكو، ليكون رسالة سياسية موجهة وردع مغلق بقدر ما هو إعلان تقني، كما يرجح موقع ذا ناشيونال إنترست الأمريكي.
وأعلن ممثل مكتب تصميم سيمبيرسك" SKB بيرانها" أن الطائرة دمرت بالفعل أول دبابة أبرامز بمقاتلة مسيّرة بحجم 10 إنشات تعمل على تردد واحد للفيديو والتحكم، قبل أن يجري تطوير الطراز لاحقا ليعمل على أربعة ترددات تحكم في آن واحد، مما يرفع قدرتها على اختراق منظومات التشويش الإلكتروني.
ويتضمن التطوير الجديد اعتماد نظام معياري يتيح للطائرة الانتقال تلقائيا بين الترددات دون تدخل المشغل، فضلا عن إعادة تصميم هيكلها بصورة تسمح باستبدال المكونات الرئيسية كالكاميرا وجهاز الإرسال ومستقبل التحكم بسهولة وسرعة أكبر على أرض المعركة.
هذا التحسين يمثل استجابة مباشرة لإحدى أبرز نقاط ضعف الطائرات المسيّرة الهجومية في الجيل السابق، إذ كانت النماذج الأولى عرضة للتعطل الكامل عند استهداف أي من مكوناتها الرئيسية بالحرب الإلكترونية أو عند فقدان إشارة التحكم.
والانتقال من تردد واحد إلى أربعة ترددات متزامنة يعني ببساطة أن إسكات هذه الطائرة بات يتطلب جهدا مضاعفا من منظومات التشويش المضادة، وهو ما يمنحها أفضلية ميدانية واضحة في بيئات القتال الإلكتروني الكثيف.
وكشفت الأرقام العسكرية المسجلة أثناء الحرب الأوكرانية عن الثقل المتصاعد للطائرات المسيّرة في المعارك البرية؛ إذ وثّقت القوات الأوكرانية تدمير أو تعطيل ما لا يقل عن 4300 دبابة روسية منذ بداية الحرب في فبراير 2022، وإن كانت كييف تشير إلى أرقام أعلى بكثير تصل إلى 12000 آلية، أي خسائر تفوق ما تكبدته الولايات المتحدة من دبابات طوال الحرب العالمية الثانية.
وهذه الأرقام وحدها كافية لفهم سبب الاستثمار الروسي المتصاعد في تطوير المسيّرات الهجومية.
فالدبابة التي كانت تُعد رأس حربة الاختراق البري باتت هدفا مكشوفا في مواجهة مسيّرات رخيصة التكلفة وسريعة التطوير.
ولم يعد الأمر مجرد تكتيك مساند، بل تحول إلى محور استراتيجي في عقيدة القتال البري الحديث لدى الطرفين.
معادلة التكلفة تقلب الموازينوتشير التقديرات إلى أن مسيّرة بتكلفة 500 دولار كانت وراء تدمير دبابة M1 أبرامز، وإن كانت العملية تستلزم على الأرجح استخدام عدد من المسيّرات الأخرى لتشتيت انتباه الدبابة وإفشال منظوماتها الدفاعية، في ما بات يُعرف بـ" سرب المسيرات".
لكن هذه المعادلة تقلب منطق الحرب التقليدية رأسا على عقب.
فالدبابة التي يبلغ ثمنها ملايين الدولارات باتت عرضة للتدمير بأسلحة يمكن تصنيع المئات منها بتكلفة دبابة واحدة، وهو ما يجعل سباق التسليح في هذا الميدان مختلفا جوهريا عن كل ما سبقه.
وفي ظل هذه المعادلة، تتراجع قيمة التفوق الكمي في الدروع لصالح التفوق في الذكاء الإلكتروني وسرعة التكيف التقني.
على الجانب الآخر من خط المواجهة، طورت أوكرانيا بدورها طائرات مسيّرة اعتراضية أثبتت فاعلية متصاعدة، إذ أسهمت في تدمير ما يزيد على 40 بالمئة من الطائرات المسيّرة الروسية من طراز شاهد خلال بعض أكبر الهجمات في مايو 2026، وهو ما يعد تحولا دفاعيا من أبرز ما شهدته الحرب.
وتكشف هذه التطورات المتلاحقة أن ساحة المعركة الأوكرانية تحولت إلى مختبر حي لأسلحة المستقبل، حيث تتسارع دورة التطوير والرد والتطوير المضاد بوتيرة تفوق قدرة الأطراف على استيعابها.
وما تكشفه" بيرانها" المحدّثة لا يقتصر على قدرات سلاح بعينه، بل يشير إلى نمط أعمق: أن الحرب الحديثة لم تعد تحسم بحجم الجيوش وعدد الدبابات، بل بسرعة الابتكار وقدرة الطرف الأسرع تعلما على فرض شروط الميدان قبل أن يلحق به منافسه.
وفي هذا السباق، لا يبدو أن ثمة خطا نهائيا في الأفق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك