ينطلق مونديال 2026 خلال الأيام المقبلة في الولايات المتحدة الأميركية والمكسيك وكندا، وسط تخوفاتٍ من ملفات عديدة على مستوى التنظيم والأمن، إضافة إلى الملف الصحي في واحدة من أكثر النسخ حساسية بتاريخ هذه الرياضة، مع مشاركة 48 منتخباً لأول مرة بعد رفع الاتحاد الدولي للعبة" فيفا" العدد، مع توقعٍ بأنّ تشهد المطارات هناك حركة جماهيرية هائلة، وسط قلق عالميٍ من انتشار الأوبئة، خاصة عقب ارتفاع الإصابات بفيروس إيبولا في عدد من مناطق القارة الأفريقية، وتحديداً جمهورية الكونغو الديمقراطية وأجزاء من أوغندا.
والسلطات في أميركا الشمالية على معرفة تامة بأن نجاح نسخة 2026 ليس مرتبطاً فقط بالملاعب والبنية التحتية أو النقل الجماهيري وحتى الفعاليات المصاحبة للحدث، بل تعتمد في الوقت عينه على مدى قدرتها على منع انفجار أزمة صحية قد تهدد سير المنافسات وسلامة الحاضرين وحتى اللاعبين والوفود الآتين من شتى بقاع الأرض، ولذلك وضعت الحكومات الثلاث قبل أشهر خطط أمنٍ صحي مشتركة، وذلك في محاولة لتفادي أي سيناريو مشابه لما شهده العالم خلال جائحة كورونا، حين شلّت الرياضة حول العالم بشكلٍ كامل، وخلت المدرجات من الصراخ، وباتت الملاعب مجرد ساحات فارغة من دون حياة.
وبسبب فيروس إيبولا وتضرر عدد من المناطق، تحركت الولايات المتحدة وكندا والمكسيك سريعاً، من خلال وضع قوانين سريعة تضمّنت منع دخول أي شخص غير مواطن زار جمهورية الكونغو الديمقراطية أو أوغندا أو جنوب السودان خلال آخر 21 يوماً، وهي المدة القصوى المعروفة لحضانة الفيروس، مع فرض بروتوكولات صحية صارمة على المواطنين والمقيمين الراغبين في العودة إلى البلاد من تلك المناطق، ومنها المرور عبر مطارات محددة والخضوع لفحوص طبية دقيقة مثل قياس الحرارة والاستبيانات الصحية، ومراقبة حتى الأعراض المحتملة، وذلك بإشرف فرق صحية متخصصة.
وقررت السلطات الأميركية، وفق بيانات رسمية، تحويل مطار واشنطن دالاس الدولي إلى مركز العبور الرئيسي للمسافرين القادمين من المناطق الخاضعة للمراقبة، حيث تعمل فرق الصحة الفيدرالية، وكذلك إدارة الجمارك، على تطبيق عملية فحص متعددة المراحل وشاملة، بهدف الحدّ من المخاطر رغم أن هذا الأمر سيؤثر حكماً على حركة السفر التي ستصبح أكثر تعقيداً، مع ارتفاع أوقات الانتظار والضغط على المطارات، وتوقع تدفق ملايين المشجعين، لكن ذلك، وبحسب وزير الخارجية ماركو روبيو، " سيكون الضمانة لحماية الشعب الأميركي" على حدّ قوله.
واضطر منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى تغيير كامل خططه التحضيرية للمونديال، فبدلاً من إقامة معسكره الأولي داخل البلاد وتنظيم فعاليات جماهيرية في كينشاسا، قرر الاتحاد الكونغولي نقل البعثة بالكامل إلى بلجيكا، حيث عاش اللاعبون والجهاز الفني داخل ما يشبه" الفقاعة الصحية" المغلقة، في محاولة لتجنّب أي احتكاك قد يهدد مشاركتهم في البطولة، ويهدف هذا القرار إلى ضمان استكمال فترة الـ21 يوماً المطلوبة خارج المناطق الموبوءة قبل السفر إلى الولايات المتحدة لخوض مباريات دور المجموعات، على الرغم من أن مباراة الفريق التي كانت مقررة أمام تشيلي في التاسع من الشهر الجاري في إسبانيا قد ألغيت بسبب منعها من قبل رئيس بلدية لا لينيا دي لا كونسيبسيون الواقعة في جنوب إسبانيا خوان فرانكو.
ومن الواضح أن التعقيدات اللوجستية التي سيشهدها كأس العالم قبل انطلاقه ستكون مرتفعة للغاية، خاصة بسبب الضغط الذي قد يسببه هذا الأمر على حركة الملاحة والطيران من خلال إعادة جدولة الرحلات، والانتباه كذلك خلال معسكرات المنتخبات وإقاماتها بشكلٍ مستمر بحسب ما ذكرت" رويترز" في وقتٍ سابق، وذلك تحسباً لأي تعديل صحي مفاجئ.
وسيكون التأثير بشكلٍ مباشر على الجماهير، خاصة أولئك الذين ينوون السفر من القارة الأفريقية وتحديداً المناطق الخاضعة للقيود، فالآلاف منهم أنفقوا آلاف الدولارات للتخطيط لهذه الرحلة، لكنهم قد يجدون أنفسهم الآن عاجزين عن السفر إلى أميركا الشمالية بسبب الحظر المفروض، ما دفع رئيس اتحاد كرة القدم في جمهورية الكونغو الديمقراطية فيرون موسينغو لتوجيه طلب خاص إلى" فيفا" قائلاً خلال تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية" بي بي سي" قبل أيام: " لقد طلبنا مراعاة هذا الأمر، لأن أسعار التذاكر مرتفعة بعض الشيء، إنهم يُعاقبون المشجعين، لأنهم لا يستطيعون دخول الولايات المتحدة لمشاهدة كأس العالم وتشجيع منتخبهم، ولا نريد أن يخسر مناصرونا الذين يعشقون كرة القدم وكأس العالم كلّ شيء".
وكانت العديد من الفيروسات قد أثّرت على بطولات رياضية خلال السنوات الماضية وضغطت بشكلٍ مباشر على منظومات الأمن الصحي العالمي، مثل نقل كأس العالم للسيدات عام 2003 إلى الولايات المتحدة بسبب تفشي" سارس"، مروراً بإنفلونزا الخنازير والطيور، وحتى" زيكا" قبيل الألعاب الأولمبية الصيفية في ريو دي جانيرو 2016 التي دفعت رياضيين كباراً للاعتذار عن عدم المشاركة وصولاً إلى جائحة كورونا، إذ باتت على إثرها التجمعات الرياضية واحدة من أكثر البيئات حساسية لأي انتشار وبائي محتمل، والمثال الذي يُمكن طرحه هنا ما كشفه برنامج إل لارغيرو، الخاص بموقع صحيفة كادينا سير الإسبانية، قبل سنوات، حول دراسة تتعلق بمباراة فريقي ليفربول الإنكليزي وأتلتيكو مدريد الإسباني، في إياب الدور الـ16 لدوري أبطال أوروبا لكرة القدم، والتي لُعبت يوم 11 مارس/ آذار عام 2020، إذ قال إنّها تسببت في وفاة 41 شخصاً عقب حضورهم في مدرجات ملعب أنفيلد، بعد نقل العدوى لعدد منهم.
ويواجه منتخب الكونغو الديمقراطية الملقب بـ" الفهود" نظيره البرتغالي في مباراته الافتتاحية خلال مونديال 2026 يوم 17 يونيو/ حزيران، بينما يخوض الفريق اللقاء الثاني في مدينة غوادالاخارا المكسيكية أمام كولومبيا، في حين أن المواجهة الأخيرة ستُلعب ضد أوزبكستان في أتلانتا الأميركية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك