في نموذج جديد من الحروب لا يعتمد على المواجهة المباشرة التقليدية، تكشف المعارك الحديثة عن تحول جذري في طبيعة الصراع العسكري، حيث لم تعد الدبابات أو الطائرات المقاتلة هي العنصر الحاسم وحدها، بل باتت الطائرات المسيّرة، وأنظمة الخداع الإلكتروني، والخوارزميات التحليلية هي مركز الثقل في إدارة العمليات القتالية.
تبدأ هذه المعارك عادة بهجمات جوية منسقة، بل عبر شبكة من الطائرات المسيّرة التي تعمل في وقت واحد بمهام مختلفة، ما بين الاستطلاع، والخداع، والهجوم المباشر، ضمن منظومة واحدة يقودها نظام تحكم مركزي متقدم، وفقًا لمقال تحليلي نشرته مجلة «فورين أفيرز»، نقلًا عن إدوارد لوتواك وإيتان شامير، مؤلفي كتاب «فن الابتكار العسكري».
في المرحلة الأولى من العملية، يستخدم نوع خاص من الطائرات المسيّرة الوهمية التي لا تستهدف تدمير العدو مباشرة، بل تعمل على تقليد البصمة الرادارية للطائرات المقاتلة الحقيقية.
يدفع هذا الأسلوب أنظمة الدفاع الجوي إلى تشغيل الرادارات الخاصة بها، ومحاولة تتبع أهداف غير حقيقية، وبالتالي كشف مواقعها بدقة، وبمجرد تشغيل هذه الرادارات، تتحول من أدوات دفاع إلى مصادر معلومات مكشوفة يمكن استهدافها فورًا.
معركة البيانات في الزمن الحقيقيبالتوازي مع عمليات الخداع، تنطلق موجة أخرى من الطائرات المسيّرة، لكن وظيفتها مختلفة تمامًا، فهذه الطائرات تقوم ببث فيديو مباشر من ساحة المعركة، وإرسال بيانات فورية عن تحركات العدو، وتحديث صورة ميدانية لحظة بلحظة.
ويلغي هذا التدفق المستمر للمعلومات، الاعتماد على الصور القديمة أو التقديرات التقليدية، ويحوّل ساحة القتال إلى بيئة مراقبة دائمة في الزمن الحقيقي.
الخوارزمية بدل القرار البشريوتجمع كل هذه البيانات من الرادارات، والفيديو المباشر، والاستطلاع الجوي، في مركز قيادة وتحكم متطور يعتمد على خوارزميات تحليلية.
ويحلل هذا النظام مواقع الدفاعات الجوية، وتحديد نوعية الأسلحة المستخدمة، وتتبع الأهداف المتحركة، ووتنسيق الهجمات بين عشرات أو مئات الطائرات في وقت واحد.
وفي ذروة العمليات، قد يكون في الجو أكثر من 100 طائرة مسيّرة تعمل ضمن منظومة واحدة، لكن القرار النهائي لم يعد بشريًا بالكامل، بل مزيجًا بين الإنسان والخوارزمية.
انهيار الدفاعات التقليديةنتيجة هذا التكامل بين الخداع والاستطلاع والتحليل الآلي، تصبح أنظمة الدفاع الجوي التقليدية في وضع شديد الهشاشة، فبمجرد أن تُجبر على تشغيل راداراتها، يتم كشفها واستهدافها بسرعة، دون أن تمتلك وقتًا كافيًا لإعادة التموضع أو إعادة التمويه.
ووفقًا للمقال، تكون النتيجة النهائية هي شلل في منظومة الدفاع الجوي، وفقدان القدرة على التتبع، وانهيار التسلسل الدفاعي خلال وقت قصير نسبيًا.
ما يقدمه هذا النموذج من القتال يتجاوز فكرة سلاح متطور، ليعكس تحولًا أعمق في طبيعة الحرب نفسها، فالمعركة لم تعد تُحسم فقط بالقوة النارية، بل بسرعة معالجة البيانات ودقة الخداع الإلكتروني وقدرة الأنظمة على التكيف الفوري، وتكامل منصات الاستشعار والقرار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك