تترك كل جريمة تهزّ الرأي العام خلفها أسئلة أكبر من تفاصيلها، فالمسألة لا تتعلق بجانٍ وضحية فحسب، ولا تنتهي عند حدود ملف قضائي ينتقل إلى أروقة المحاكم، بل تمتد لنقاش أوسع يتعلق بقدرة المجتمع على حماية منظومته القيمية، وقدرة الدولة على ترسيخ هيبة القانون باعتباره المرجعية الوحيدة التي يحتكم إليها الجميع.
اضافة اعلانخلال الفترة الأخيرة، برزت إلى السطح مجموعة من الجرائم والحوادث العنيفة التي أثارت قلقا مشروعا لدى الأردنيين، ورغم أن الأرقام والمؤشرات لا تزال تؤكد أن الأردن يتمتع بمستويات أمن واستقرار متقدمة مقارنة بمحيطه المضطرب، إلا أن تكرار بعض الحوادث فرض نقاشا عاما حول الأسباب والحلول، وحوّل الدور الذي يجب أن تضطلع به الدولة والمجتمع معا لمنع تحول هذه الوقائع إلى ظاهرة تؤثر في السلم المجتمعي.
المشكلة لا تكمن فقط في وقوع الجريمة، فالجريمة رافقت المجتمعات البشرية عبر التاريخ، وإنما في الطريقة التي نتعامل بها معها؛ فكلما ارتفع منسوب التبرير، تراجعت المساحة التي يفترض أن يحتلها القانون، وتعرضت فكرة العدالة ذاتها للاهتزاز، ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من مجرد الحديث عن دولة المؤسسات والقانون إلى ترسيخ مفهوم أكثر عمقا يتمثل في سيادة القانون؛ أي أن يكون القانون فوق الجميع، وحكما بين الجميع، ومظلة تحمي الجميع دون استثناء.
الحديث عن الجريمة هنا لا يعني أن المجتمع يعيش أزمة قيم أو تفككا اجتماعيا، فالمجتمع ما يزال يحتفظ بدرجة عالية من التماسك والتكافل، لكن المجتمعات الحية هي التي تواجه التحديات قبل أن تتفاقم، وتناقش المشكلات بجرأة قبل أن تتحول إلى ظواهر يصعب احتواؤها؛ فالتغاضي عن المؤشرات المقلقة لا يقل خطورة عن المبالغة فيها.
التجارب العالمية تشير إلى أن الجريمة لا تنشأ من فراغ، بل هي نتاج تداخل عوامل عديدة؛ اقتصادية واجتماعية ونفسية وثقافية، البطالة، والشعور بالإحباط، وتراجع الفرص، وضعف الوعي، وخطاب الكراهية المنتشر أحيانا عبر منصات التواصل الاجتماعي، كلها عوامل يمكن أن تخلق بيئة أكثر هشاشة أمام السلوك الإجرامي، لكن هذه العوامل، مهما كانت مؤثرة، لا يمكن أن تكون مبررا للجريمة أو سببا لتخفيف المسؤولية عن مرتكبيها.
الدولة الحديثة لا تقاس بعدد القوانين التي تملكها، بل بقدرتها على تطبيق تلك القوانين بعدالة وحياد؛ والأردن يمتلك منظومة تشريعية وقضائية وأمنية متقدمة، أثبتت عبر عقود قدرتها على حماية الاستقرار وصون الحقوق.
لكن المحافظة على هذا الإنجاز تتطلب تعزيز ثقافة سيادة القانون في الوعي العام، بحيث يصبح الاحتكام إلى القضاء والمؤسسات أمرا بديهيا لا يقبل النقاش أو المساومة.
المهم أن تكون سيادة القانون ليست شعارا سياسيا، بل هي الضمانة الحقيقية للمساواة والعدالة والاستقرار، وهي التي تحمي الضعيف من القوي، والفرد من التعسف، والمجتمع من الفوضى، وهي أيضا التي تمنع تحول الجرائم الفردية إلى أزمات جماعية، لأنها تضع الجميع أمام معيار واحد لا يتغير.
مواجهة الجريمة لا تقتصر على الجانب الأمني والقضائي، بل تتطلب دورا أكبر من الأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية، فبناء الوعي واحترام القانون وتعزيز قيم الحوار والتسامح والانتماء الوطني تشكل جميعها خطوط دفاع متقدمة ضد الجريمة والعنف والتطرف بكل أشكاله.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن أمن المجتمعات لا يقوم فقط على قوة الأجهزة الأمنية، ولا على صرامة العقوبات وحدها، بل على وجود قناعة راسخة لدى الجميع بأن القانون هو المرجع الأخير والحكم النهائي؛ وعندما يقتنع الناس بأن العدالة ستأخذ مجراها دون استثناء أو تمييز، تتراجع دوافع الانتقام والفوضى، وتتسع مساحة الثقة بالدولة ومؤسساتها.
لهذا، فإن الحفاظ على سيادة القانون ليس مسؤولية الحكومة أو القضاء أو الأجهزة الأمنية وحدها، بل مسؤولية وطنية جماعية، فكلما ارتفعت مكانة القانون فوق الاعتبارات الضيقة، وكلما تراجعت العصبيات والانحيازات الفرعية، أصبح المجتمع أكثر أمنا وتماسكا وقدرة على مواجهة التحديات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك