لم يضطر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى طرح اتفاق وقف إطلاق النار المتفق عليه في واشنطن مع لبنان، على حكومته، ومواجهة الاعتراضات يميناً ويساراً من رافضي الاتفاق المشككين في جدواه والمطالبين بحسم المعركة نهائياً ضد" حزب الله"، وبعضهم بتثبيت احتلال أجزاء من الأرض اللبنانية وضمها كما هي الحال في الجولان والضفة.
لم يضطر نتنياهو الى أي تفسير أو عرض وشرح، إذ سبقه" الحرس الثوري" الإيراني في إعلان رفضه الاتفاق اللبناني- الاسرائيلي برعاية أميركية لصيقة، قبل أن يلحقه الأمين العام لـ" حزب الله" نعيم قاسم منافحاً ومتبنياً لتفاصيل الموقف الإيراني.
والواقع أن أي اتفاق لوقف الحرب في لبنان، وهو الشعار الذي حمله الوفد اللبناني المفاوض في واشنطن، لا يمكنه أن يتحقق من دون موافقة" حزب الله" وقيادته الإيرانية.
وفي الظروف الراهنة، تبدو هذه الموافقة مستحيلة، ليس لأسباب لبنانية، وإنما لأسباب إيرانية في الدرجة الأولى، فأي دخول في عملية سلمية سيعني فصلاً للحزب عن الدور الإقليمي الذي أنشئ من أجله، وإنهاءً لدوره المحلي كتنظيم مذهبي يطمح، بالسلاح، إلى فرض قيام الفرع اللبناني من جمهورية" صاحب الزمان" الإيرانية، مما يجعل إيران فاقدة لورقة قوة توازي في وزنها إمساكها بمضيق هرمز، بل تفوقها قيمة من ناحية فاعليتها وحركتها.
في واقع الأمور إن الجبهة الإيرانية - الأميركية هادئة نسبياً منذ اتفاق الهدنة قبل شهرين في الثامن من أبريل (نيسان) الماضي بين الولايات المتحدة وإيران.
ومنذ ذلك الوقت، لم تهدأ الحرب في جبهة لبنان، وتقدم الجيش الإسرائيلي ليحتل مناطق شاسعة في هذا البلد وليدمر القرى والمنازل.
ولم يبقَ في ساحة القتال بعد هدنة أبريل إلا" حزب الله" بقيادة وإشراف مباشرين من الحرس الثوري.
وانكفأت الفصائل العراقية الموالية لإيران، وانشغل الحوثيون بالمتابعة وتحليل الصراعات في انتظار مهمات جديدة تلوح بها القيادة في إيران، في مقدمتها تخريب الملاحة في البحر الأحمر.
وفي الحقيقة أنه ومنذ بداية الحرب، خاض" حزب الله"، ولا يزال، بوكالته عن إيران، الحرب البرّية الوحيدة في المواجهة بين أميركا وإسرائيل من جهة والنظام الإيراني من جهة أخرى، وهو لا يزال يتابع مهمته وحيداً على حساب بلد دفع كثيراً من الأثمان تسديداً لنتائج مغامرات تخدم طموحات طهران وتستجيب لحساباتها.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)لذلك، يستحيل تصور أن يأتي يوم يقبل فيه" حزب الله" تسوية بمعزل عن القرار الإيراني، واحتمالات استمرار الصدام بينه وإسرائيل ستبقى قائمة، فيما تُحاصر مبادرات الحكومة اللبنانية لوقف الحرب واستعادة الأرض ووضع حد لتهجير السكان.
ولا تنتظر إسرائيل غير هذا الإصرار على مواصلة الحرب من جانب ميليشيات تعتبرها امتداداً لميليشيات مماثلة في غزة والمنطقة وترتبط جميعها بإيران.
وفي أهداف إسرائيل المعلنة والصريحة القضاء على" حزب الله"، لكن حرباً طويلة ضده، في ظل عجز الدولة اللبنانية عن وضع حد لميليشيات تتحكم بمصيرها، ستفتح شهية إسرائيل على أطماع تاريخية في الأرض والمياه، مما يجعل أية تسويات في المستقبل أكثر صعوبة وإيلاماً.
لقد دخل قادة إيران المواجهة مباشرة مع السلطات اللبنانية دعماً لحزبهم ورؤيتهم لمستقبل لبنان.
لم يتورعوا عن إبداء رفضهم لبيان واشنطن عن المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية قبل أن يرفضه حزبهم، ولم يخفوا إصرارهم على ربط مصير الحرب في لبنان بمصير مفاوضاتهم مع الأميركيين التي يصعب التكهن بمآلاتها، وإن كان المرجح ألا تصب في مصلحة نظام طهران.
كذلك لم يتحركوا فعلياً ضد إسرائيل، فيقصفونها بصاروخ تضامناً مع ذراعهم اللبنانية، وإنما ترجموا غضبهم عليها بالاعتداء على الكويت والبحرين.
إن الإصرار والرهان على ربط لبنان بمسار التفاوض الإيراني، وهو ما تريده إيران وأتباعها، يمكن أن يحمل إيجابية ما في حال نجاحه بفرض وقف النار، مما لم يحصل حتى الآن.
لكن لا شيء يضمن في النهاية توصل الوساطة الباكستانية إلى اجتراح حلول مقبولة ونهائية، والمراوحة التي تعيشها هذه الوساطة تنبئ بمرحلة من التجميد والتردد في الصراع، استعداداً لاستكمال بناء تحالف دولي مضاد لطهران، تدفع إليه أزمة النفط المتفاقمة على مستوى العالم.
وهذا التحالف يمكنه في النهاية معالجة آثار الصدام الإيراني- الأميركي- الإسرائيلي، وحتى ذلك الحين يمكن للبنان الذي يريدون ربطه بإيران، أن يدفع مجاناً أفدح الأثمان وأشدها إيلاماً، وهو بالتأكيد ما تسعى سلطاته الشرعية وغالبية شعبه إلى تجنبه سعياً وراء مخارج أخرى تنهي حال الحرب وفقدان السيادة إلى الأبد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك