كشف الناطق باسم الجيش العراقي، صباح النعمان، أمس الأحد، عما سماه «خطة هيكلية شاملة تهدف إلى بسط سلطة الدولة»، مشيرا إلى أن القيادة «تواصل فتح قنوات الحوار لتغليب منطق الدولة»، مع «جميع القوى والتشكيلات الوطنية»، «بعيدا عن لغة التهديد أو فرض المهل الزمنية الضيقة»، وأن المؤشرات أظهرت «استجابة وطنية واسعة».
يتعلّق الأمر، بشكل رئيسي، بما يسمى «هيئة الحشد الشعبي» التي بدأت بالتشكل في عام 2014 إثر «فتوى الجهاد الكفائي» التي أطلقها المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني بعد سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية» على مساحات واسعة في العراق، وأدت لظهور قرابة 67 فصيلا عسكريا.
قدّم زعيم التيار السياسي الصدريّ، مقتدى الصدر، دفعة كبرى لصالح هذه «الاستجابة الوطنية» بإعلان حل الجناح المسلّح لتيّاره، المسمى «سرايا السلام»، وقرار دمجه بالكامل في أجهزة الدولة، مما كان له أثر كبير في المشهد الأمني والسياسي، مما ساهم في إعلان فصيلين آخرين، هما «عصائب أهل الحق» و»كتائب الإمام علي» المضيّ في خطوات الاندماج بالجيش ونزع سلاحهما، وهو تطوّر شديد الأهمية بالنسبة للعراق والمنطقة.
تأسست «عصائب أهل الحق» في عام 2005 بعد انشقاق زعيمها، قيس الخزعلي، عن «جيش المهدي» التابع لمقتدى الصدر، وبعد تشكيلها بدعم وتمويل من «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني، دمجت في «هيئة الحشد الشعبي» عام 2018، وبدأت تتلقى رواتب منتسبيها ومخصصاتها من الدولة العراقية، وفي المقابل صنّفت أمريكا زعيمها، وشقيقه، «إرهابيين عالميين» في العام 2020.
انتمى زعيم «كتائب الإمام علي»، بدوره إلى «جيش المهدي»، وتمتع فصيله بعد تشكيله، عام 2014، بعلاقة متميزة مع الحرس الثوري الإيراني، ولكنه أخذ بتوجيهه ليتحول الى إمبراطورية تجارية ضخمة، وهو خاضع بدوره لعقوبات أمريكية بتهمة العمل كمنسق مالي واستخباراتي لفيلق القدس وتسهيل الاستثمارات العراقية وتهريب النفط لصالح إيران، وللكتائب ذراع مسيحية أبرزها فصيل «عيسى بن مريم»، وللتنظيمين المذكورين دور كبير في دعم النظام السوري وفي حرب المدن، وكانا ناشطين في ريف دمشق وتدمر وحلب والبادية والبوكمال.
يشكّل ما حصل تطورا مهما كبيرا على المستوى العراقي والإقليمي، وهو يشير إلى المسار المعقّد للتوازنات داخل العراق والمنطقة والعالم، وهو يعكس التغيّرات الحاصلة والمصالح التي تشكّلت داخل هذه الفصائل، كما يعكس مستوى الانشغال الإيراني بالتحديات الإقليمية والدولية، وبالضغوط الأمريكية على السلطات العراقية، وهو ما يشير إلى تغيّر في حسابات الأطراف.
من ناحية الدولة العراقية، يعتبر ما حصل تطوّرا كبيرا في ملف تفكيك القوة العسكرية للفصائل، وتعزيز سلطتها، من جهة، ونجاحها في مسعاها لفك هذه الميليشيات عن النفوذ الإيراني القويّ، في المقابل، ومن ناحية الفصائل، يبدو الأمر ترسيخا لوجودها القوي في المجتمع، ليس كقوى عسكرية فحسب، بل كقوى سياسية واقتصادية أيضا، وهو ما يفسّر حديث الجيش عن «فتح قنوات الحوار» و»الابتعاد عن لغة التهديد والمهل الزمنية»، كما قال الناطق باسم الجيش.
إضافة إلى المستجدات التي صنعها حدث الحرب الأمريكية – الإيرانية، يعبّر هذا المسار في العراق أيضا عن التطوّرات السياسية بعد انتفاضة تشرين أول / أكتوبر 2019 (التي شاركت بعض هذه الفصائل، بتأييد إيراني، في قمعها)، والتغيّرات داخل الفضاء الشيعي العربيّ، وهي وقائع وازنت أو رجّحت العامل الوطني العراقي، على الانحياز الطائفيّ لإيران، وساهمت في رفض المساعي الإيرانية لاستتباع السياسة العراقية، أو التعامل معها كساحة نفوذ مطلق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك