تخبرنا التجربة السياسية الجزائرية، عن حضور حالة خوف متفاوت في أي انتخابات تجري في البلد، ترتفع وتيرتها عندما يتعلق الأمر بالرئاسيات والتشريعيات، بدرجة أقل.
خوف كان نتيجة تجربة فعلية عاشها الجزائري بيّنتها بشكل جلي حالة انتخابات 1992، التي أدخلت البلد في ما يشبه الحرب الأهلية.
أعاد التذكير بها ما حصل في 2019 عندما رفض الجزائريون العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة، الذي فشل في إجراء أكثر من استحقاق انتخابي في الفترة نفسها.
تم فيه تشويه آلية الانتخابات بشكل سافر من قبل بعض قنوات التلفزيون الخاصة بشكل مثير للشكوك، قدمت صورة سيئة عن المرشحين لهذه الانتخابات، زادت في تعميق أزمة هذه الآلية السياسية، كما بينته نسب المشاركة في الاقتراع وهي تنخفض إلى حدودها الدنيا، بعد ابتعاد المواطن عنها.
عمق أنثروبولوجي يمكن العودة له ضمن هذا المسار التاريخي، حاضر لدى الشعب الجزائري ودولته الوطنية التي بناها بعد الاستقلال لتفسير هذا الخوف من التنافس الشفاف الذي تحيل إليه الانتخابات، يبدو أن الجزائريين لم يقبلوا به لحد الساعة، انتقل من الأفراد إلى المؤسسات التي تبنت هذا الرفض للتنافس، زاد في تعميقه الطابع الريعي للمؤسسات السياسية، أصبح القرب منها قربا من منابع المال العمومي السائب، الذي علّم السرقة بشكل مكشوف، كما يمكن أن يستشف من عملية الزبر، التي قامت بها الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات، عبر تطبيق المادة 200 من قانون الانتخابات، وهي تتكلم عن عدة شرور كان من بينها، شبهة القرب من أصحاب المال الفاسد.
بهذا الشكل الفضفاض الذي يعتمد على رأي العامة من الناس، في تحديده في نهاية الأمر، اقترب فيها كثيرا من الشبهة، التي طالت، حسب بعض التعبيرات الواردة في النص القانوني، الجانب الشخصي من السلوك الإنساني للمترشحين.
عبر دور قانوني استباقي قامت به الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات، أثار الكثير من الرفض بين الأحزاب والمرشحين الذين تم إقصاؤهم، في انتظار الطعون التي يمكن أن يتقدموا بها أمام القضاء، ضمن حالة تشنج سياسي وصلت إلى حد محاولة الانتحار، كما فعل ذلك أحد المرشحين من ولاية سطيف، الواقع تحت صدمة الإقصاء، حالة تشنج قد يمتد دورها إلى التقليص من نسب المشاركة في هذا النوع من الاقتراعات، أصبحت مع الوقت مرادفة للعزوف لدى الجزائريين، من سكان المدن الكبرى والشباب تحديدا المتعودين على نسب مشاركة ضعيفة، في هذا النوع من الانتخابات التي لا تهم في واقع الأمر إلا المحيط الاجتماعي المباشر للمترشح الذي قد يلجأ إلى الروابط الاجتماعية المعتمدة على الانتماءات التقليدية، ما قبل الوطنية، كما قد يبرز في مناطق الهضاب العليا وأقصى الجنوب، على سبيل المثال، الذي ما زال فيها العرش والقبيلة يتميزان بنوع من الحضور، تستطيع هذه الانتخابات تحفيزها مؤقتا، لصالح هذا المواطن الذي طلبت منه الأحزاب الترشح، من دون أن يكون بالضرورة مناضلا في الحزب، جراء العزوف الشعبي عن العمل الحزبي بالديمومة التي يعرفها، كما كان الحال في أوقات سابقة، لدى أجيال أكبر في السن، غادروا الساحة السياسية، تغيرت فيه مظاهر الحياة السياسية بشكل جذري، نتيجة لاعتبارات تتجاوز في بعض الأحيان الأبعاد السياسية البحتة، لا يمكن فهمها، من دون الغوص في العمق الأنثروبولوجي لفهم ما يميز الحياة السياسية في الجزائر في السنوات الأخيرة، وهي تعيش أزمة متعددة الأوجه.
حالة الهشاشة التنظيمية التي تعيشها الأحزاب السياسية، بالعزلة الشعبية التي تعرفها، والتي ارتفع منسوبها في سنوات ما بعد الحراك، يمكن ان تفسر هي الأخرى هذا الوضع الذي آلت إليه الأمور، قد تتسبب في رفع نسبة الرفض لهذه الانتخابات، زيادة على ما يمكن ان تضيفه القوائم المستقلة – التي قل حضورها هذه المرة – من فوضى الترشيحات هذه، سهلت عملية الإقصاء بحجج بيروقراطية كثيرة، في وقت فشلت فيه التجربة السياسية الجزائرية في إبراز نخبة سياسية وحزبية، كان يمكن أن تنشّط هذه الانتخابات الدورية، جعلتني أفكر في دور يمكن ان تقوم به مؤسسات بحث ومكاتب دراسات على شكل دورات تدريبة لمناضلي الأحزاب والمستقلين، تساعدهم على التمكن من أدوات تخطي هذه العقبات التي تتكرر عند كل انتخابات، لم تساعد عليها كما يبدو رقمنة الإدارة التي طال انتظارها، ولا حتى ارتفاع المستوى التعليمي للجزائريين.
بالطبع لا يمكن تفسير هذه الخصائص التي تتسم بها الانتخابات في الجزائر، كما ظهرت في آخر نسخة لها، وهي مازالت في مرحلة الترشيحات، بهذه المتغيرات التنظيمية فقط، فنحن أمام انتخابات سياسية لا بد للعودة للسياسي لتفسيرها وفهمها.
السياسي الذي يخبرنا بأن النظام السياسي لم يقبل لحد الآن مبدأ التنافس الشفاف عندما يتعلق الأمر بالانتخابات الرئاسية والتشريعية، كما يبدو من خلال هذه الحواجز المزيفة الاستباقية، التي أقصت واحدا من ثلاثة من الراغبين الكثيرين في الترشح، الذي مازال يستهوي الكثير من الجزائريين من مختلف الأطياف الاجتماعية في الريف والمدينة، التي يقطنها أغلبية الجزائريين.
فالنظام السياسي الجزائري الحالي بتوازناته المعروفة، وثقافته السياسية السائدة، لن يقبل برئيس حكومة قريب من المعارضة، ينتمي إلى تيار سياسي مختلف أو معارض لتيار رئيس الجمهورية يجيزه الدستور نظريا، وهو الرفض نفسه الذي نجده عندما يتعلق الأمر بالبرلمان، الذي لن يُقبل منه الا أدوار المساندة والدعم للسلطة التنفيذية التي يمثلها رئيس الجمهورية، كما بينته حالة تصويت نواب العهدة الحالية على قانون الانتخابات بالمواد المدرجة ضمنه أدت في النهاية إلى إقصائهم من الترشيحات… بعد ان أضحت عادة رفع الأيدي والقبول بكل مشاريع القوانين التي تتقدم بها الحكومة إلى سلوك روتيني لدى هذا النائب الذي انتجته حياة سياسة مشوهة، مست كل أحزاب الطيف السياسي القريب والبعيد من السلطة بدرجات متفاوتة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك