قد يُفتَنُ الشاعرُ بنزهةٍ غزليةٍ بين ندفِ الضباب، يواري حزنَه المتعري في جزئياتِ الكونِ، من دون انزلاق، ويصب غرقَه في كف السماءِ التي يبصرُها بعينٍ مضطرمةٍ بالخيالات، ولكنه يتكهنُ بأن الرمدَ الراسبَ في رمشِ حبرِه ينتظرُ إشاراتٍ بصريةٍ وجودية، لينقشَ فيها غياهبَ النطقِ اللامسموع، الذي يلسعُ كيانَه بعصفِه الحميم، ولكنه لا يتجاوزُ عتبةَ الأقمارِ الورديةِ التي تحومُ حوله.
وفي شعرِ الإيرلندي ويليام ييتس، غَرْفٌ ناعمٌ من الفلسفةِ الرومانسيةِ التي يستندُ إليها في الوصولِ إلى الله، من خلالِ الطبيعةِ والفن والرسمِ والشعرِ والغناء، متأثراً بالفيلسوف فريدريك ويلهام شيلنغ، الذي تشبعَ من عالمِ الحلم، وقالَ إن الطريقَ المغبشَ هو الذي يُصوبُ إلى الداخل.
لم يصبُ ييتس يوماً إلى كمالِ القصيدة، بل حررَها على سجيتِها من قضبانِ السردِ والتصويرِ الديمومي، ورشَقَ المرتجعَ من مآخذِ المعنى ليشددَ على مذهبِة الثيوصوفي، الذي يدمجُ الديانات الشرقية بالفلسفاتِ الغربيةِ القديمة وأهمها الأفلاطونية، مجمعاً على تبنى التراثَ الإيرلندي بحرفيته، محاولاً الوصولَ إلى لهبِ الصبوِ الغائمِ في اللامنطق.
وهو الذي تآلفَ مع الأضداد وتماهى مع الروحانيات وتركَ قلمَه على سجيتِه، ليبرهنَ أن القلمَ يشبُه اللسانَ المنفعل، الذي يلجُ تشكيلاتِ ما قبلَ الجسد، ضمن المعنى النظري للتقييدِ الفلسفي، فيتعاملُ مع القلمِ كتحفةٍ إيكولوجية منمقة الحواف، ومسلطة الرؤى، فالضوء الرمادي الخافت الذي ينتحلُ كينونتَه، يلمعُ في جوفِ الليلِ ليخبرَ عن قصائد شاعرٍ نمطي، يستلبُ اللحظاتِ الخفية في علمِ الغيب، ويستحضرُ خَبب التاريخ منذُ إشراقتهِ الأولى مع تفتحِ أغمارِ الأرواح، ليثبَ في شعرِه بقفزاتٍ سريعة، فوقَ عشبِ الأحلامِ النائمةِ في امارةٍ بورجوازيةٍ دفينةٍ في ذاتيته، ومتينةٍ في الطابعِ العطوبِ لنزقِ تقلباتِه المزاجية الحساسة.
في قصيدةِ «عيد الفصح» يقولُ ييتس: »قابلتهم عند غروب الشمس/قادمين بوجوهٍ زاهية/ من على المنضدة أو المكتب بين بيوتٍ رمادية من القرن الثامن عشر/ مررتُ بهم بإيماءةٍ من رأسي/ أو بكلماتٍ مهذبةٍ لا معنى لها/ أو توقفتُ قليلاً وقلتُ / كلماتٍ مهذبةٍ لا معنى لها/ وفكرتُ قبل أن أغادر / في حكايةٍ ساخرةٍ أو نكتةٍ لإرضاء رفيقٍ حول النار في النادي وأنا على يقينٍ بأنهم وأنا /نعيش حيثُ تُرتدى الملابسُ المُختلطةُ الألوان: /كل شيءٍ تغير، تغير تماما /وُلد جمالٌ رهيب/أمضت تلك المرأة أيامها/ في حسن نية جاهلة/ولياليها في جدال /حتى أصبح صوتها حادا/ أي صوت أعذب من صوتها/ تركب إلى فرسان الصيد/كان هذا الرجل يدير مدرسة / ويركب حصاننا المجنح / وكان هذا الآخر مساعده وصديقه /يكتسب قوته/ ربما كان سينال شهرة في النهاية/ فقد بدت طبيعته حساسة للغاية/ وأفكاره جريئة وعذبة/أما هذا الرجل الآخر فقد حلمت به /سكيرا مغرورا وقحا».
هذه القصيدةُ التي تجترحُ أوصالها من الغروب، في لقاءٍ روحي رقيق الحاشية ينثالُ بوصفٍ خيالي مفعم بالقوة والسيادة، هي كالحلمِ الذي يمر سريعاً من دون أن تقرأ الاضطرابَ الباطني الأخير الذي أومأ إليه من خلال الرجل السكير والمغرور، أو يلجأ إلى الاختزال الشنيع الذي يشوهُ تألقَ المرام، ولكن ما يتملكها فعلاً هو أشكالُ ألوانٍ من التعتيمِ على الكيفية الاستلهامية التي تنبتُ الأفكارَ المتوارية وراء معناها، فالجمالُ الذي استعارَ منه الاستدلالَ على بهاءِ اللحظة وقوة الوجود، يصارعُ الشر الوقحَ بالخير من خلال تسلسل استعاراتٍ وصفيةٍ ضخمة، فالصفةُ تسبقُ الموصوف والرحلُ يتخلفُ عن الموعد بين الضوضاءِ والصحراءِ والنخيل الذي احتوى الكهفَ الذي ولد فيه المسيح، وتقارنُ بين طهارةِ الزمن الأول ومجونِ الزمن الحالي، لأن كل شيءٍ قد تبدلت سماتُه، فهو يحاولُ أن لا يخلخلَ الفكرةَ الثابتةَ في معجزةِ الولادةِ التي يستذكرُها في عيدِ الفصح، ويتراسلُ مع نفسِه بإيقاعٍ يشكلُ قطيعةً مع التراثِ المُعتمد، ليصوغَه بأسلوبِه المنفرد، وبتمردِه الدائم على كل السردِ التاريخي.
فالشاعرُ هنا لا يعتمدُ على كلماتٍ منضدة أو مستنسخة، بل مفصولة عن التفاضلِ في عمقِ وشفافيةِ اللغة، فما يتفردُ به هو المعنى الذي يسعى كي يبلّغَ عن نفسه في استراتيجيةٍ تراتبية بدأت من غروب الشمس وانتهت بالرجل الوقح، تحت عنوان عيد الفصح، يكسوه الإيمانُ العميق بسر اللحظةِ الالهية، ولا يأتي تصويرُه مشوشاً، بل متدرجاً بين الضوءِ والمغارةِ وتخبط الحياةِ بشهواتِها ولياليها، يكتبُها في صوفيةٍ نصية تسعى لإلغاءِ التعارضِ المجحفِ بين التقشف والتدين والغرقِ في شهواتٍ ضالة.
وهو متماهٍ مع التأملِ المُبرم في العشق، ففي قصيدةِ «عندما تكبرين» يقول: «عندما تكبرين، وتشيبين، ويغلبك الوسن، ستميلين ناحية المدفأة، تتناولين هذا الكتاب، تقرأين بتأنٍ، تحلمين بأيام كانت عيناك ناعمتين، وعميقتي الظلال.
كم من عشاق أحبوا لحظات فتنتك السعيدة، أحبوا جمالك، حبا مزيفا أو صادقا، لكن رجلاً واحدا أحب روح الرحالة فيك، أحب أحزان وجهك المتغير، وأنتِ منحنية بجوار الأعمدة المتوهجة، تتمتمين بقليل من الحزن؛ كيف هرب الحب، وعبر فوق رؤوس الجبال مخفيًا وجهه وسط لفيف من النجوم».
تتوهجُ بين الحروفِ نارُ اليقظةِ التي تصفقُ أبوابَ الشوق، وترتطمُ بأحراش الكلماتِ التي يظفرُ بها القلبُ وحده، فهو يخاطبُ حبيبتَه التي يغتاظُ من فتنتِها بحنينِ عاشق، فيلمحُها في مخيلتِه عجوزاً تفتكُ بها الوحدة وتحتضنُ الكتابَ برويةٍ، مستحضرةً أطيافَ وجوهٍ عبرت، ولكن وجهه هو من أضرمَ شوقَها وأعادَ لها رونقَ الصبا، لأن روحَها هي من أسرته وجعلته يغمرُ بصرَه فيها.
فهو مشدودٌ إليها بروحِه التي تتسللُ إليه كمداعبةِ الشمسِ وهي تتمطى بين أعمدةِ الرحيلِ وفوقَ الجبالِ التي فرّ منها الحب ولم يعد.
الخيالُ هنا متقدٌ بالعشقِ ومليء بالأصداء، يكشفُ عن غاباتٍ من الضوءِ وسط العتمة، وعن نورٍ لا تخبو غصصُه مهما مرّ من الزمن وطعنَ الجسدُ في الشيخوخة.
فهو يظهرُ له كسطحٍ موشى بالنجومِ ومغطى بالضبابِ الخفي، ورغم أنه لم يذكر هذه المفرداتِ في القصيدة، إلا أنها تُظهرُ جلبَتها من خلالِ التعبيرِ الرمزي الذي يتكشفُ أكاليلاً من حنينٍ غيابي.
وهو كشاعرٍ متحررٍ من قيودِ التعبير، يختزلُ بؤسَه في الحب والشوقِ والايمانِ في جُملٍ معترضة تفرقُ في تعارضِها كلمة «لكن»، وكأنها تقر بأن الحب جدلياً وليس موضوعَ إصلاحٍ أو تفكير.
وعلى الطريقةِ الأبيقورية، ينسجُ من الحلمِ سرداباً يفضي إلى اللذةِ المتخيلةِ في عالمٍ وهمي من الأفلاكِ والليلِ ولذةِ العشقِ التي لا تُنسى، ويحتبسُ قوةً غير مرئية في نبضِ الدواخلِ العاشقةِ للمحب، وتتبعثرُ أحاسيسُه في تدفقِ المخيلةِ التي تحتكمُ للذاكرةِ الزمنيةِ الوضاءة.
وهنا تطرحُ هذه القصيدةُ سؤالاً ملحاً، هل الوعيُ هو من يخفي كل أيديولوجية فاعلة لمنطقِ المحب ويتركُه في زاويةِ التنبؤِ بين الظاهرِ والمخفي من الومضاتِ المتحركة في متعةِ التضمينِ للمشاعرِ المرتبكة؟ أم أن اللاوعي هو من يعكسُ تماس الأرواحِ مع بعضِها بعضا ويسكبُها في دائرةِ التخيلِ المحوري في ذهنِ الشاعر؟في منطقِ ويليام ييتس، تبدو النواةُ الحدثيةُ للقصيدةِ متشبثةً بعالمِه الخاص، فهي تنتمي إلى الحتميةِ والقدرية لا الظنية، فعندما يؤمنُ يكتبُ بخشوعٍ عميق، وعندما يهوى تلتف حروفُه بذراعِها حولَ عنقِ القلمِ لتختمَ بنقوشٍ زاهيةٍ إقرارَ الحب والشوقِ العنيف.
ولهذا، فقد أذهلَ بيتس بصمتِ المعنى حواشي القصيدة، وكتبَ صورتَه الخاصةَ طارداً نفسَه من فردوسِ البهجةِ حيناً، ومقحماً حواسه في نعيمِ الحرقةِ واللهفةِ حيناً آخر، فكان تناقضُه مبعثَ عجب، ولكنه بصمةٌ ذاتية حملَها معه حتى النهاية، وأصبحت علامتَه الفارقة في عالمِ الكتابةِ العجيبِ الصور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك