الأرجح أنّ حفنة محدودة من الناس، لا تتجاوز العشرات، اكترثت بحياة وممات شارل دو باتز دو كاستلمور، الضابط الذي قُتل بطلق ناري خلال حصار مدينة ماسترشت الهولندية سنة 1673، وكان يخدم في كتيبة الفرسان المكلفة بحراسة الملك الفرنسي لويس الثالث عشر.
لكنّ مخيّلة الروائي الفرنسي ألكسندر دوماس (1802 ـ 1870) خلّدت هذا الرجل، حين حوّلته إلى شخصية روائية تحمل اسم دارتنيان، الفارس الرابع والبطل المركزي في الرواية الشهيرة «الفرسان الثلاثة»، 1844؛ التي قرأها ملايين، وربما مليارات، البشر في عشرات اللغات على امتداد المعمورة.
ومنذ أسابيع وأنظار ملايين، وربما مليارات البشر تتجه صوب كنيسة القديس بطرس وبولس في بلدة ولدر الصغيرة (1500 نسمة! )، إحدى ضواحي مدينة ماسترشت، حيث شاءت مصادفة ترميم بلاطة في صحن الكنيسة أن يتكشف باطن الأرض عن هيكل عظمي مجهول؛ شدّ انتباه الشماس بالطبع، فسارع إلى إبلاغ علماء الآثار والسلطات البلدية، لأنّ الرفات قد تكون للضابط الفعلي كاستلمور، وبالتالي لعلها… عظام دارتنيان، الفارس المخلّد روائياً! ثمة خلفية كبرى عريضة تربط الضاحية بالضابط/ الشخصية الروائية، حيث نُصب له تمثال يحتفي به، إذْ هاهنا انتهت حياته؛ وثمة أدلة مادية تمثلها نقود معدنية دُفنت مع الهيكل، تعود إلى القرن السابع عشر؛ وفحوصات الحمض النووي، المستخرجة من الفكّ، قيد التحليل في مخابر جامعة ألمانية…وإذْ يصحّ القول بأنّ الأنفاس تُحبس بانتظار الخبر السعيد، الذي قد يؤكد تابعية الرفات المجهولة لشخص الضابط كاستلمور، والأهمّ أنها استطراداً عظام الفارس الرابع دارتنيان؛ فذلك لأنّ هذا الفضول الجَمْعي العارم ليس سوى خلاصة فريدة تعكس العلاقة العجيبة بين القارئ الكوني والشخصية الروائية التي لا تقلّ كونية.
وهي حال تُظهر مجدداً مقدار التأثير الذي يمكن أن تمارسه المخيّلة الإبداعية، كما تثبت أنّ سلطة الأدب عابرة للزمان والمكان والثقافات والحساسيات المختلفة.
وكيف لا تكون هذه حال «الفرسان الثلاثة» وقد تواترت في 2540 ترجمة، ومنذ سنة 1903 اقتُبست للسينما في 47 نسخة، و11 في أفلام الرسوم المتحركة، و18 مسلسلاً للتلفزة، و16 مسرحية كانت الأولى من إعداد دوماس نفسه في سنة 1845، فضلاً عن الباليه والقصص المصورة وسواها.
وهذه السطور على يقين بأن أكثر من بُعد واحد يفسّر جاذبية أدب دوماس على نطاقات كونية، لا يقتصر على عناصر التشويق والحبكة والمغامرة التي طبعت أعماله، والمرء هنا قد يفكّر أيضاً بحظوة عالية تمتعت بها روايته الثانية الشهيرة «الكونت دي مونت كريستو»، 1846.
ثمة محتد الكاتب الهاييتي، غير»الأبيض» وغير الفرنسي «الأصيل»، الذي جلب عليه مزيجاً من الحسد والإعجاب والحقد؛ ولا يصحّ أن تُنسى المكانة المركزية التي احتلتها الثورة الفرنسية في حبكات رواياته، وعواقبها السياسية والأدبية في آن معاً؛ كذلك لا يجوز إغفال تركيزه على دسائس البلاط ومفاسد الملوك وكبار الساسة ورجال الدين (الكردينال ريشليو في «الفرسان الثلاثة» كمثال أبرز)، والانحياز للعدالة الاجتماعية وتفكيك أخلاقيات الجريمة والعقاب.
وما دامت الواقعة تخصّ أديباً فرنسياً وشخصية روائية فرنسية، فللمرء أن يستذكر واقعة أخرى لأديب فرنسي لا يقلّ شأناً عن دوماس، هو ستندال (1783 ـ 1842)، في عمله الأشهر «الأحمر والاسود»، 1830.
ففي نهاية الفصل 35 يتناهى إلى بطل الرواية جان سوريل أنّ عشيقته السابقة، مدام دو رينال، تسعى إلى إفشال زواجه من إبنة المركيز دو لا مول؛ فتثور ثائرته ويغادر باريس إلى بلدة فيريير حيث تقيم مدام دو رينال، ويقتحم عليها الكنيسة هائجاً وراعشاً ومخموراً، ويحاول قتلها.
ويخبر ستندال قرّاءه أنّ سوريل أطلق طلقة أولى من غدّارته، فأخطأ الهدف؛ ثمّ أطلق طلقة ثانية فخرّت المرأة أرضاً، ولكنها لم تمت.
فضاءات تأويل المشهد انفتحت بالطبع، وتواصل الانفتاح حتى الساعة، ما خلا أنّ بعض التأويلات لم يذهب بعيداً من حيث جرّ القراءة إلى هذا التفسير أو ذاك لواقعة إطلاق الرصاص، بل إلى… البقعة التي استقرت فيها الرصاصة الطائشة، وما إذا كانت في واحد من المقاعد الخشبية داخل الكنيسة! وهكذا توافد ويتوافد قرّاء مولعون بأدب ستندال إلى بلدة فيريير (الحقيقية، الموجودة اليوم بالفعل، غير بعيد عن مدينة بواتييه في فرنسا، والتي لا صلة تجمعها البتة بالبلدة التي تخيّلها ستندال)؛ وأن يقصدوا كنيستها تحديداً، كي يفتشوا عن التالي: أين استقرت الرصاصة الأولى؟وكي لا يذهب بعض الظنّ أنّ فرنسا منفردة بهذه الترابط الوثيق بين المخيّلة والواقع، فإنّ مثال عشّاق الروائي الإرلندي جيمس جويس (1882 ـ 1941) يقدّم المثال الساطع على تنوّع هذا الولع؛ إذْ يتقاطر هؤلاء على مدينة دبلن لاقتفاء مسار الرحلة ذاتها التي يقطعها ليوبولد بلوم، بطل الرواية ـ الأيقونة «عوليس»، في أرجاء المدينة؛ وبعضهم يقضي ساعات في البحث عن دكان بائع العقاقير، الذي ابتاع منه بلوم قالب صابون!ولا عجب أنّ التقارير تشير إلى حرص الجامعة الألمانية على إحاطة أبحاثها، حول الحمض النووي لعظام كاستلمور/ دارتنيان، بالكتمان الشديد؛ ليس لأيّ سبب علمي أو تقني غالباً، بل انحناء أمام جمهور عابر للقارات، تتحرّك لهفته المعرفية بتأثير طاغٍ من سلطة الأدب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك