صحيح أن كوريا الجنوبية نجحت في صناعة قوة اقتصادية كبرى مستندة إلى المسلسلات وأغاني الكيبوب، إلا أنها لم تحقق نجاحاً عالمياً في ما يتعلّق بصناعة الأنيميشن.
هذا يعاكس تطور هذه الصناعة في الجارة اليابان، كما لا يتناسب مع أهمية كوريا الجنوبية في صناعة الأنيميشن في أميركا الشمالية.
لهذا، تحاول البلاد حالياً تصحيح هذا الوضع وتدارك التأخير.
في اليابان وصلت القيمة السوقية لصناعة الرسوم المتحركة في 2024 إلى 3.
84 تريليونات ين، أي ما يعادل 25.
25 مليار دولار، وفقاً لجمعية الرسوم المتحركة اليابانية.
وعلى مدى الأربعين عاماً الماضية، كان الرسامون الكوريون الجنوبيون القوة العاملة الخفية وراء العديد من أشهر أعمال الأنيميشن في أميركا الشمالية، إذ هم مسؤولون عن نحو 30 ألف إطار (Frame).
لكن بعكس أميركا الشمالية واليابان، عانت شركات الإنتاج الكورية الجنوبية في ابتكار رسوم متحركة أصلية تلقى صدىً لدى الجمهور، سواءً في الداخل أو الخارج.
في عام 2003، صدر الأنيميشن الكوري" أيام رائعة" (معروف أيضاً باسم Sky Blue، من إخراج كيم مون-سينغ)، ورُوّج له على أنه أول فيلم رسوم متحركة ضخم في البلاد، وكان من المقرر أن يتضمن عالماً للألعاب الإلكترونية وبضائع ترويجية.
لكن، فشل الفيلم فشلاً ذريعاً في شباك التذاكر، بينما تعاني الاستوديوهات من التردّد في الاستثمار في هذا القطاع داخل كوريا الجنوبية.
المخرجة جي وون هان، هي صاحبة فيلم" ضائعة في ضوء النجوم" (Lost in Starlight)، أول فيلم رسوم متحركة كوري أصلي من إنتاج نتفليكس، وقد وصفه المخرج الشهير بونغ جون هو بأنه" تحفة فنية بصرية".
تنقل عنها شبكة" سي أن أن" أن" معظم الناس في كوريا لا يأخذون الرسوم المتحركة على محمل الجد"، مشيرةً إلى وجود اعتقاد سائد بأنّ الرسوم المتحركة مخصصة للأطفال فقط.
يتغيّر وضع الأنيميشن في كوريا الجنوبية بعدما شجعت شعبية أفلام الرسوم المتحركة الأجنبية الموجهة لجمهور أكثر نضجاً، مثل فيلمي" سوزومي" (2022) و" اسمك" (2016) للمخرج الياباني ماكوتو شينكاي، كوريا لتقديم مشاريع مماثلة مثل" سجلات طرد الأرواح: البداية" (2024)، وهو فيلم مقتبس من سلسلة روايات الخيال الكورية الشهيرة" توماروك".
وأطلقت الحكومة الكورية العام الماضي صندوقاً بقيمة مليار دولار لدعم قطاع الرسوم المتحركة على مدى السنوات الخمس المقبلة، بهدف رفع إيرادات القطاع إلى 1.
9 تريليون وون (1.
27 مليار دولار)، مع صادرات بقيمة 170 مليون دولار وتوظيف 9 آلاف شخص في هذا القطاع بحلول 2030.
التدخل الحكومي له أهمية بالغة في السياق الكوري، إذ نجاح صناعة موسيقى الكيبوب نفسها كان بدعم حكومي، ففي أواخر التسعينيات، عندما عانت آسيا من أزمة مالية حادة، قرّر قادة كوريا الجنوبية استخدام الموسيقى لتحسين صورتها وتعزيز نفوذها الثقافي.
لذا، أنفقت الحكومة الكورية ملايين الدولارات على إنشاء وزارة للثقافة، خصصت قسماً لموسيقى البوب الكورية.
تنقل الإذاعة العامة الأميركية عن مؤلفة كتاب" ميلاد الروعة الكورية"، إيوني هونغ، أنه" اتضح أن الحكومة الكورية تتعامل مع صناعة الكيبوب بنفس الطريقة التي تتعامل بها الحكومة الأميركية مع صناعتي السيارات والمصارف، أي أن هذه الصناعات يجب حمايتها".
وأيضاً شمل العمل الحكومي لدعم الكيبوب بناء قاعات حفلات ضخمة بتكلفة ملايين الدولارات، وتطوير تقنية الهولوغرام، وحتى المساعدة في تنظيم حانات الكاريوكي لحماية مصالح نجوم البوب الكوري.
وتعلّق هونغ: " أرادوا أن تكون كوريا في القرن الحادي والعشرين مثل أميركا في القرن العشرين، حيث كانت أميركا تُعتبر رمزاً للروعة العالمية، لدرجة أن أي منتج أميركي كان يُشترى تلقائياً".
وبالرغم من أن الرسوم المتحركة الكورية (المعروفة باسم" آيني" ) لا تزال تفتقر إلى لغة بصرية متماسكة، إلا أن هناك عدداً متزايداً من استوديوهات الرسوم المتحركة المتخصصة التي" تبتكر قصصها الخاصة" وأسلوبها الفني، على حد قول هان، التي توضح أنه" ليس لدينا أسلوب واحد فريد أو محدد، لأن أصالتنا بدأت للتو، لذا يبدو كل شيء مختلفًا"، مضيفة: " نحن الآن في منعطف حاسم من شركة كفاءات خارجية إلى استوديوهات إبداعية".
هذا وهناك أفلام روائية أصلية عدة قيد الإنتاج.
يعمل المخرج الكوري بونغ جون هو حالياً على فيلم رسوم متحركة ضخم بميزانية 70 مليار وون (47.
6 مليون دولار أميركي)، ومن المتوقع عرضه في 2027؛ ويتعاون المخرج، كيم تاي يونغ، مع استوديوهات لوكاس لإنتاج فيلم رسوم متحركة طويل.
وكذلك تعمل هان على تطوير فيلمها الروائي القادم.
يتمتّع رسامو الأنيميشن في كوريا الجنوبية بإمكانات إبداعية عالية، أثبتت أهميتها عالمياً، لكن الصناعة كانت تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة لدعم هذه المواهب.
ولكن مع ازدياد نجاح أفلام الرسوم المتحركة في دور العرض الكورية، هناك الآن إقبال كبير ومفاجئ، فهل تنضمّ صناعة الرسوم المتحركة يوماً ما إلى نجاح المسلسلات والأغاني في البلاد؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك