على مدار قرون طويلة، ظلت قلعة صلاح الدين الأيوبي شاهدة على أسرار القاهرة الإسلامية، لكن ما كان يختبئ تحت الأرض ربما يفوق ما ظهر فوقها من روائع معمارية.
فبين الأزقة التاريخية المحيطة بالقلعة، نجح علماء الآثار في الكشف عن منظومة هندسية مائية مذهلة لم تذكرها المصادر التاريخية، لتقدم دليلاً جديدًا على عبقرية المهندسين المسلمين وقدرتهم الاستثنائية على إدارة الموارد في واحدة من أكثر المدن ازدحامًا في العالم آنذاك.
اكتشاف أثري سور مجرى العيونالكشف الجديد، الذي حققته بعثة مصرية فرنسية مشتركة، أزاح الستار لأول مرة عن الجزء المفقود من المنظومة الهيدروليكية المرتبطة بسور مجرى العيون، وهو الجزء الذي ظل مجهولًا رغم عقود من الدراسات الأثرية والبحث التاريخي.
وخلال أعمال الحفائر في منطقتي عرب اليسار والحطابة بمحيط القلعة، عثر الباحثون على بئرين عملاقين شُيدا بكتل حجرية ضخمة بعمق يصل إلى عشرة أمتار، كانا يمثلان قلب شبكة معقدة لنقل المياه وتشير الأدلة الأثرية إلى أن المياه كانت تُرفع بواسطة أربع سواقي دوارة قبل أن تنتقل عبر مجارٍ حجرية دقيقة التصميم إلى داخل القلعة ومنشآتها المختلفة.
لكن المفاجأة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ كشفت الحفائر أيضًا عن بنية خدمية متكاملة تضم مسارات حركة الدواب التي كانت تشغل السواقي، وغرفًا لإيوائها، ومخازن للأعلاف، وأحواضًا مخصصة لسقي الحيوانات.
ويعكس هذا الاكتشاف مستوى متقدمًا من التخطيط الهندسي والإدارة اللوجستية التي اعتمدت عليها الدولة المملوكية لتأمين احتياجات القلعة اليومية من المياه.
العثور على بقايا مسجد مملوكيوفي منطقة الحطابة، تمكنت البعثة من العثور على بقايا مسجد مملوكي يضم المحراب وإيوان القبلة وأجزاء من الرواق الجنوبي الغربي، بالإضافة إلى غرفة دفن مرتبطة بالمسجد وعدد من المقابر الإسلامية التي تنتمي إلى فترات تاريخية مختلفة كما عُثر على عملات معدنية وقواديس فخارية ساعدت الباحثين في فهم طبيعة الحياة التي شهدتها المنطقة عبر العصور.
وترجح الدراسات الأولية أن بعض المنشآت المائية المكتشفة تعود إلى عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، أحد أبرز سلاطين المماليك الذين شهدت القاهرة خلال حكمهم طفرة عمرانية كبيرة.
كما كشف الباحثون عن قناة مائية جديدة تتجه نحو الإسطبلات السلطانية، وهو اكتشاف قد يدفع المؤرخين إلى إعادة النظر في تأريخ عدد من المنشآت المحيطة بالقلعة وتصحيح مفاهيم استقرت لعقود طويلة.
ويؤكد هذا الاكتشاف أن الحضارة الإسلامية لم تبرع فقط في بناء القلاع والمساجد، بل طورت أيضًا أنظمة هندسية متقدمة لإدارة المياه والخدمات، سبقت عصرها بقرون، وما زالت تكشف عن أسرارها حتى اليوم من تحت أرض القاهرة التاريخية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك