نقرأ كلّ يوم، تقريباً، تحليلات ذات لبوس رصين، وبأقلام بعضها أكاديمي، أنّ الرئيس ترامب بسيكوباتي ومريض نفسي، نرجسيّ ومتعصب، إضافة إلى مقاربات شعبوية للسياسة في أعلى هرم لها، على المستوى العالمي، في البيت الأبيض، مقرّ الرئاسة الأميركية، أقوى دولة.
وهذا ممّا لا غبار عليه، طبعاً، ولكن مع إشكالية متّصلة بجدلية المؤسّساتية في قلب النظام السياسي الأميركي، وبعقلانية صانع القرار، وبشخصية ترامب، وهي متغيّرات ثلاثة تستدعي البحث فيها للوصول إلى ما لا يمكن أن يشكّل عقيدةً لدى أيّ قارئ للقرار الأميركي ومقيّم له، من أنّ وزن تلك المتغيّرات في علاقة غير متوازنة، وبأنّ الاعتقاد، في المقابل، أنّ ترامب مجنون وأن السياسة العالمية مرهونة، بالنتيجة، بالتخلّص من شخص بطبيعته من البيت الأبيض، هو اعتقاد غير سويّ تماماً.
في المجال التنظيري، في العلاقات الدولية، هناك نظرية القرار التي تُدرّس ضمنها نظريات تشير، في أغلبها، إلى الفاعلين أو صنّاع القرار، ثمّ إلى الوحدة القرارية، أي الوحدة التي تضطلع باتخاذ القرار، وهي، في معظم البلدان، تقع في أعلى هرم السلطة التنفيذية ممثّلةً في الرئيس، بالنسبة إلى الدول ذات النظم الجمهورية، على غرار النظام الأميركي الفيدرالي.
من بين الجزئيات التي تركّز عليها نظرية القرار باب خاصّ بعلم النفس السياسي، إذ يتمّ الحديث عن شخصية الصانع الأخير للقرار وطبيعة ما يتأثّر به، ومزاجه، والأيديولوجيات التي يكون قد خالطها، ومساره الذي يكون قد انخرط من خلاله في المجال السياسي، إضافةً إلى تركيبته السياسية من حيث التنشئة والثقافة السياسية والتجارب التي يكون قد مرّ بها، وصولاً إلى تاريخ بلاده والثقافة السياسية لبلاده وما يُعرف بمنظومة المعتقدات والقيم، ليكون القرار، في النهاية، محصّلة تلك العوامل كلّها التي تُسمّى بالمحدّدات الخاصّة بصانع القرار.
ثمّ نتبع ذلك بمحدّدات خاصّة بالبلاد، من اقتصاد وجغرافيا وطبيعة النظام السياسي ونوع الأزمات والصراعات التي تنخرط فيها، ثمّ، طبعاً، مجمل الفاعلين، في الجوار وعلى المستوى الدولي، الذين يمكنهم التأثير في الوضع بتوجيهه نحو السلام أو التصعيد.
ضوابط اقتصادية تمنع ترامب من تجاوز بعض الخطوط الحمراءعلى كلّ حال، تُعدّ تلك المعايير مشتركةً، متعاضدةً، متضافرةً في مسار عملية صنع القرار، ولم يشر أيٌّ من المنظّرين إلى ما يمكن اعتباره عاملاً محدّداً وحيداً في العملية، كما يتم إيهامنا هذه الأيام بأنّ ترامب، بجنونه، مسؤول عن التصعيد الذي شهدته مناطق عديدة، وبأنّ ذلك الجنون سيكون فيه حتف هذا العالم، أو على الأقلّ الهرمية الحالية للنظام الدولي في حركية إعادة تشكل بزعامة، للمرّة الأولى منذ ظهور الرأسمالية، خارج الدائرة الغربية.
غريب، مع ما تقدّم كلّه، أن تبرز تحليلاتٌ كثيرة تضع في أعلى رؤاها مزاجية ترامب وجنونه، بل تؤكّد دراسات نفسية حجم كذبه، متناسين، على الأرجح، أنّ ترامب تاجر عقارات، ثمّ صانع قرار ديدنه التعامل وفق مصالح متأرجحة، لكن مع ثابت واحد، تحقيق المصلحة التوافقية وليست الوجودية/ الصفرية، من ناحية، وفي تعاضدية مع مجمل الفاعلين، ثمّ المؤسّسات التي تقع في دائرة عملية صنع القرار التجاري عندما كان رجل أعمال في مجال العقارات، ثمّ الآن، بصفة أكيدة، تلك التي تقع في دائرة صنّاع القرار السياسي الاستراتيجي لأكبر قوة في العالم، على كل المستويات، خصوصاً في زمن الصراعات والأزمات بحجم ما نراه هذه الأيّام في الشرق الأوسط أو في الصراع المتراكم مع الصين وروسيا، من ناحية أخرى.
ربّما من المنطقي هنا أن نبرز العوامل الضابطة لسلوك عدواني ممكن، ومجنون غير مؤكّد، ولكنّه غالباً بخلفية الاندفاع.
غير أنّ ترامب يعلم أنّ ثمّة محوراً صناعياً عسكرياً، صانعا للرؤساء في أميركا، كما يعلم أنّ الضوابط الدستورية مؤسَّسة، ومن غير الممكن تجاوزها حتى بعنفوانه واندفاعه، فيعلم الجميع أنّ هناك حملات ضدّه من القضاء، وهناك تحقيقات في انخراطه في قضايا الجاسوس والأخطبوط المسمَّى إبستين، بل هناك اندفاعاته التي ما زال القضاء يحقّق فيها بشأن ما جرى في" الكابيتول" عشية دخول بايدن في 2021 إلى البيت الأبيض، بل هناك أيضاً تحقيقات بشأن الارتباطات المفترضة مع روسيا أو التلاعب الروسي الذي سمح لترامب بالفوز في 2016 في ولايته الرئاسية الأولى.
هناك، من جهة أخرى، ضوابط تمنع ترامب من تجاوز بعض الخطوط الحمراء، وهي اقتصادية، ذلك أنّ لعالَم المال والأعمال في أميركا ثقلاً كبيراً لا يمكن لترامب أن يتجاوزه بقراراته.
وقد رأينا كيف تراجع الرجل عن قراراته برفع التعرفات الجمركية على بلدان كثيرة بعد تهديد شركات كبرى بنقل أعمالها إلى خارج أميركا، كما هدّدته تلك الشركات بأنّها قد تتأثّر من ناحية صدارتها لقطاعات استراتيجية إذا نفّذ سياساته الاندفاعية إزاء الصين وكندا وأوروبا واليابان، بل إزاء تهديده بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (ناتو).
وذلك كلّه على خلفية تناقض اندفاعات ترامب مع مصالح مؤسّساتية اقتصادية أميركية تعمل على ضبط سلوكه وتهدئة مزاجيته، ما يؤكّد أنّ صناعة القرار في أميركا ليست نتاج جنون واندفاع، بل نتاج تعاضد عمل مؤسّسات ومصالح جهات كثيرة تعمل في مسار عملية صنع القرار وتؤثّر في اتخاذه، وترامب لا يشكّل، في المحصلة، إلا جهةً تنفيذيةً توقّع على القرار، وصورة لتلك السياسات وتلك المصالح ليس إلا.
هناك، ربّما، وجه مقبول في مقالات محلّلي تغليب جنون واندفاع ترامب في عملية صنع القرار الأميركي، وذلك كلّه، كما ذهب الكاتب في مقالة سابقة (" هل ينطبق فخّ ثوسيديدس على المنافسة بين الصين وأميركا؟ "، " العربي الجديد"، 26/5/2026)، نتيجة ارتباك أميركا من حتمية الصعود الصيني، وعمل كلّ الجهات والمؤسّسات في أميركا في تعطيل ذلك الصعود أو تحجيم آلياته من خلال الاستحواذ على مدخلات ذلك الصعود من نفط وغاز وسلاسل توريد استراتيجية للاقتصاد الصيني، إضافةً إلى الحظر على تكنولوجيا الشرائح وأشباه الموصلات.
ربّما هذه هي الحجة الوحيدة التي تبرز، وليس كما يقول بعضهم بشأن جنون ترامب ومزاجيته، إنّ عملية القرار ليست مرتكزة على ما يرشح من شخصية مندفعة، قوية أو ضعيفة، بل على مسارٍ كلّه مؤسّسات ومصالح جهات أمنية وأخرى استخبارية، ويقف في النهاية المحور الصناعي العسكري مدافعاً عن مصالح أميركا الاستراتيجية، وهو المنافح عن ذلك المسار كلّه، وليس لأحد، حتّى لترامب بشخصيته واندفاعاته، أن يغيّر من طبيعة عمل النظام السياسي الأميركي ودوائر صنع القرار فيه قيد أنملة، سواء في الماضي أو الآن، بل في المستقبل أيضاً، لأنّ ذلك تقليد وضبط لعملية الحكم، ولكلّ منظومة حركية النظام السياسي الأميركي، بترامب وبغيره من الرؤساء، ديمقراطيين أو جمهوريين، عبر مراحل التاريخ كلّها منذ إنشاء الدولة الأميركية.
لنأخذ الحرب على غزّة أو نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس أو العلاقة مع روسيا والصين أو العلاقة مع الخليج، ولنأخذ الحرب على إيران في يوليو/ تموز 2025 أو في فبراير/ شباط 2026، ولنركّز على عملية اختطاف نفط فنزويلا ورئيسها، ولنربط ذلك كلّه بالمصالح العليا الأميركية والجهات المؤثّرة في مسار عملية صنعه، لنتأكّد أنّ ما تقدّم أعلاه صحيح، وأنّ مزاجية ترامب واندفاعه مجرّد مساحيق وإخراج هوليوودي، ليس إلّا، تماماً مثل توقيعه أو قضاياه التي يحقّق القضاء بشأنها، سواء قبل رئاسته أو منذ دخوله إلى البيت الأبيض في العهدة الأولى وعهدته الثانية، بل ربّما يتذكّر الجميع الشخصيات التي كانت تقف من ورائه في الأيّام الأولى من عهدته الثانية، من إيلون ماسك ورجال أعمال معروفين في الساحة الاقتصادية الأميركية، كما يعرف الجميع حجم تأثير" أيباك" (الصهيونية)، تاريخياً، في عملية صنع القرار في أميركا، بل يعرف الجميع مكانة المحور الصناعي العسكري وتأثيره في البيت الأبيض من خلال حجم الأموال التي تدخل خزائن تلك الشركات نتيجة الصراعات والحروب، ورفع ميزانية الدفاع الأميركية التي سمّاها" وزارة الحرب"، بمعنى أنّه لا يرى المحور إلّا من خلال رؤية عسكرية صراعية، لا يمكن إلّا أن تكون من بين الجهات الأكثر تأثيراً في القرار الأميركي، وليس شخصية ترامب ومزاجيته أو اندفاعاته.
من غير المنطقي الادّعاء بأنّ علم النفس السياسي هو المقاربة الوحيدة التي تفسّر قرارات ترامب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك