الثقة هي أساس العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة، وإن غابت غاب معها الجوهر الحاكم للعلاقة بين الشعب والدولة، أيّاً كانت الالتزامات والحقوق المتبادَلة، فلا تفويض من دون ثقة، ولا ائتمان.
والشفافية صنو الثقة وبابها الواسع الذي إن ضاق ضاقت معه الحرّيات وأكثرها أهمّيةً حرّية النقد والتوجيه.
وقد اعتاد المصريون التعتيم الرسمي على كلّ شيء، عدا ما تريد السلطة إعلام الشعب به.
ولذلك؛ حين تقوم السلطة في مصر بخطوة ما، ثمّ تتراجع عنها أو تتّخذ غيرها في اتجاه مخالف؛ يتّجه المصريون فوراً إلى نظرية المؤامرة، وينكرون الأسباب الرسمية من دون تفكير، ويفترضون أسباباً خفيّة ترتبط بأهداف خاصّة بالسلطة ومصالحها، أفراداً ومناصب وكيانات.
ونادراً ما يخطئ حدس المواطن المصري المرتاب دائماً في حكومته، إذ تجد التفسيرات التآمرية شواهدَ قويةً، ودلائل تؤكّدها في كمّ هائل من القضايا والوقائع.
لا يمكن فهم غياب الثقة الشعبية في حكومات مصر المتعاقبة، إلّا في إطار تكرار التعميم الرسمي، بل ديمومته، وافتراض الجهل والسذاجة في الرأي العام.
وعلى ما في التاريخ المصري المعاصر من خطايا وكوارث طاولت نواحي الحياة كافّة، تظلّ السلطة الحالية في مصر تفاجئنا بقرارات وتصرّفات تناقض ما تتطلّبه المصلحة الوطنية من إخلاص في التوجّهات وتدقيق في الأشخاص، بل إنّها أحياناً تذهب بعيداً فتفاجئ المجتمع بقرارات تنافي المنطق، وتتضادّ مع قرارات رسمية سابقة.
تجري في مصر منذ أيّام نقاشات واسعة حول شخصية معروفة للتوقيف، بسبب خلاف مالي ومشاجرة مع آخرين.
ومردّ الاهتمام العام أنّ الموقوف هو صبري نخنوخ، صاحب الرصيد المعتبر في الخروج على القانون، الذي أفرج عنه قبل أعوام بعفو رئاسي مباشر، قبل أن يتولّى رئاسة أكبر شركة شبه رسمية للأمن والحراسة.
أي أنّ الرجل" واصل" بلغة المصريين و" مسنود" من أعلى مستوى.
وبالتالي، فتوقيفه ومداهمة منزله وإعلان العثور على أسلحة وقطع أثرية، ثمّ تمديد توقيفه الاحترازي.
كلّها أمور لا تتّسق، بل تتناقض كلياً مع وضعه السابق.
فقد تساءل المصريون عن صدور عفو رئاسي عن محكوم مدان بجرمه، ثمّ تأقلموا مع تقديم الرجل شخصيةً عامّةً واسعة النفوذ.
فجاء توقيفه أخيراً في خلاف بسيط، والحديث عن حزمة قضايا وبلاغات ضدّه، ليضع المصريين في حالة تعجّب من الانقلاب المفاجئ على الرجل بشكل غير مفهوم.
حالة نخنوخ هي الأبرز والأكثر فجاجةً، لكنّها ليست الوحيدة.
قبل أسابيع أُقيل رئيس حيّ بإحدى المحافظات السياحية، بسبب سوء الأداء.
وبعد أيّام فقط، كُلِّف رئاسة أحد أحياء محافظة أخرى.
بفعل غياب الشفافية وتجاهل الرأي العام، راج تفسير واحد حظي بما يشبه الإجماع بين المصريين، وهو أنّ الرجل" المرضي عنه" صار" مغضوباً عليه" أو العكس.
وهو التفسير المنطقي الوحيد في بلد لا أحد فيه يعرف كيف تسير الأمور ومن يسيّرها ولماذا.
هذا المناخ الغامض، كفيل بترسيخ حالة ارتياب دائمة فيما يصدر عن الجهات الرسميّة، سواء تعلّق الأمر بقرارات أو تفسيرات.
ومن المفارقات أنّ أداء الحكومة نفسها يساعد في تأكيد الشكوك والهواجس الشعبية.
فكلّما صدر بيان أو تصريح رسمي يطمئن المصريين إلى قرب تجاوز الأزمات الاقتصادية والاتجاه إلى تحسين الأحوال المعيشية، وإذا بالحكومة تتّخذ قرارات مضادّة، برفع الدعم عن سلعة أو زيادة ضرائب ورسوم.
تتكرّر تلك المتوالية المعكوسة منذ سنوات، والنتيجة هي فقدان المصداقية لدى المواطن، وقناعة كاملة بألّا ثقة في الدولة ولا تصديق لما يصدر عنها.
ولن تتأتّى الثقة إلّا بثبات القرارات والتوجّهات، وبتوافر الشفافية والوضوح.
فلا أحد سيُصدّق ما تقوم به السلطة أو تقوله، ما لم تَصدُق هي أولاً وتُطابق أفعالُها أقوالَها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك